التصالح مع الماضي يضمن طريقاً سوياً نحو مستقبل مشرق

الماضي بأحداثه، وأشخاصه ومشاعره وأفكاره جزء لا يتجزأ من شخصية وهوية الفرد، يلازمه ليصنع له حاضره ويرمى بظلاله على مستقبله، وتعتبر نشأة الفرد وطفولته جزءً مهما جدا من شخصية الفرد.
إلى ذلك، تقول هبة شركس، استشارية نفسية وخبيرة أسرية وتربوية، وعضو هيئة تدريس بالأكاديمية الأميركية للعلوم والتنمية “نستطيع أن ندرك أثر الماضي على شخصياتنا وعلى استجابتنا للمجتمع من حولنا، فإذا تخيلنا شخصا فاقدا للذاكرة تتغير حياته وآراؤه تجاه الأمور بمجرد أن يطرد شبح الماضي من حياته، وكأنه يتغير كليا بمعنى الكلمة تغير دوافعه، وأهدافه، ومشاعره، وأفكاره”.
وتضيف “الفرد العاقل يجب أن يقف مع ذاته وقفة صريحة وناضجة ليحلل ماضيه ويرى ظلاله على حاضره، ويسيطر على هذا الشبح، ويروضه حتى يستفيد منه بدلا من أن يترك هذا الشبح يسيطر على حاضره ومستقبله، ولكن للأسف كل منا يقع بسهولة تحت طائلة شبح الماضي، ليس هذا فحسب، بل كثيرا ما نرعاه ونغذيه ونعمل على راحته لنجده متدخلا في أدق تفاصيل حياتنا، يحركنا وفق هواه”. وتتابع “على النقيض نجد فريقا آخرا يتبرأ من ماضيه وينكره، بل ويرسم لنفسه ماض آخر رافعا راية العصيان عليه ومعتقدا أنه بهذا يقتل شبح الماضي، وهو لا يعلم أنه لولا سيطرة الماضي عليه ما أهدر وقته وجهده للتخلص منه، فكم من طقوس تربوية رفضناها في طفولتنا ثم نجدها بلا وعي منا تنزل إلى حيز التنفيذ دون طلب للإذن، ومنا من يستسلم لها دون وعي وينسى رفضه لهذه الطقوس، ومنا من يعي ويدرك تسلل الشبح، ليدخل في حرب معه حتى يبني واقعا مغايرا لما كان يرفضه من جهه، ويستسلم لما كان يفضله في ماضيه من جهه أخرى”.
وتوضح شركس أن “القرآن الكريم يعيب علينا استسلامنا لشبح الماضي بلا حرب ولا وعي في قوله تعالى: ((قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)) سورة الشعراء آية 74. وعليه فإن تصالحنا مع الماضي هو الطريق السوي نحو حاضر ومستقبل مشرق، وصحة نفسية عالية، “وليكن شعارنا مع ذاتنا أن قمح اليوم هو خبز الغد”. وتزيد “لا تتم تلك المصالحة إلا بالوعي الكامل بماضينا، وطرحه على طاولة المفاوضات والمناقشات الذاتية، واختيار موقفنا منه، هذا ويمثل التسامح مع الذات ومع الآخرين حجر الأساس للتصالح مع الماضي، فلا تبخل أن تمنح نفسك بعض الوقت لتحقيق الوفاق الذاتي ولنتوقف عن استعذاب الوقوف على الأطلال”.