كانت تجمعنى بالجد أحمد علاقة فريدة؛ قوامها الثقة والتفهم. كان الجد أحمد سريع البديهة لماح خفيف الظل منفتح على العالم. وعلى رغم تلقائته وبساطته الظاهرة إلا أنه كان غامضا فى بعض تصرفاته؛ إنه يمتلك شخصية تثير وتستفذ فضولى النفسي … تستنهضنى كى أغوص فى أعماقه واتجول فى ثنايا ذاته. 

 

كان يتكلم بغير كلمات … فإذا تأملت قسمات وجهه ذو الملامح البارزة ولغة جسده المعبرة … ونظراته التى تجيد التحدث بلغة عالمية يفهمها من يملك جهاز استقبال يقظ قادر على التقاط الذبذبات الإنسانية … وترجمة الانفعالات الداخلية وقراءة الأفكار الوليدة واستقبالها لتخرج من حيز العقل إلى العالم الفسيح؛ كما يستقبل الطبيب طفل وليد إلى هذه الحياة ويجبره على الصراخ حتى يلتحم بالحياة معلنا عن وجوده. 

كان الجد أحمد شفاف ولكنه شديد الغموض تلقائى ولكنه بالغ العمق … إنه السهل الممتنع.

 

من كان فى معيته عليه أن يدرك أنه فى حضرة الأسطورة ومعية نبع الحياة .. وان يتلقى عنه مالا يقوله قبل ما ينطق به .. يتأمل قسمات وجهه ويستشعر عبارته التى لم ولن يلفظها؛ يسمعها بوجدانه ويتجاوب معها لينشأ بينه وبين نبع الحياة حوار هادئ عميق لا ينمحي أثره من نفسه … يخلع عن ذاته لباس السطحية ويتهيأ لإدراك أهم معانى الحياة. 

كان ينخرط فى الحوار بكامل كيانه فتتدفق كلماته بتلقائية وترتفع نبرة صوته وتنخفض وفقا لما يقتضيه الموقف … وعلى الرغم من انخراطه الكامل وحواره الانفعالى إلا أن المتأمل لإماءته الجسديه يدرك أن هذا الرجل خبر الحياة وأدرك منتهى كل شئ …. وأنه قادر على تقبل التنائج وإن خالفت هواه، فهو يسعى للحياه سعيها ويدرك منتهاها فى فهم عميق ورؤية شمولية تحميه من التعلق السلبي بأى شئ وتؤهله للتعايش السلمي مع كافة الظروف والأحداث وتسمح لتيارت طاقته الذاتيه بالتدفق من خلاله فى سلاسة دون أن يشعر بالإرهاق. 

 

إن التوازن الدقيق بين لسان مقاله الذي يتميز بالحيوية والانفعالية من جهة، ولسان حاله الذي يوحي بالتفهم والقبول للنتائج والزهد فيما يطلبه ويسعى إليه من جهة أخرى يجعله شخصية فريدة متماسكة.

 

إنه شخص حيوي يقظ صاحب فطنة يسعى فى الحياة بجد واجتهاد ويرضى ويسلم بالأقدار  .. عاش معتمدا على ذاته خادما لمن حوله، يرسل ويستقبل من وإلى الكون من حوله رسائل الحياة.

من سمع كلماته لم يفهمه بعمق … ولكن من تأمل قسماته عشق حكمته ونهل من خبرتة.