الجد أحمد.... وصديق العمر - هبة شركس 

الجد أحمد…. وصديق العمر

الجد أحمد…. وصديق العمر
سَـلامٌ عَلى الدُّنْيـا إِذَا لَمْ يَكُـنْ بِـهَا صَـدِيقٌ صَدُوقٌ صَادِقُ الوَعْدِ مُنْصِفَـا
الإمام الشافعي
الجد أحمد شخصية اجتماعية يقيم علاقات متشابكة ومتعددة، لا يجد غضاضة فى الحديث ببساطة وعقد صداقة مع أى إنسان كائن من كان مع بائع الحليب الذى يدق بابه كل صباح، أو عم فرج بائع الزبادى، أو الرشيدى صاحب أكبر بقالة فى الحى ….. يتحدث مع الجميع ويسمع الجميع بتلقائية وبساطة شديدة تجعله يتسلل إلى القلوب تاركا بصمة لا يمحيها الزمان، فما من أحد يعرف الحاج أحمد إلا ويذكره. وما إن يُذكر اسمه فى مجلس ما إلا ويروى الجميع حكايات جمعتهم به … بالرغم من غيابه ثمانية أعوام إلا أنه مازال يسكن القلوب ومازالت إشراقة وجهه تُلهم من عرفه ويشتاق الجميع إلى جميل محياه، كيف لا! وهو شخص لم يتكلف يوما ما ليس فيه، صادقا مع ذاته مُباهيا بها.
ولكن من هو صديق الحاج أحمد الوفى، صديق العمر الذى كان له عظيم الأثر فى تكوين شخصيته وهويته؟؟
المُتابع لحياة هذا الرجل “الأسطورة” يجده فى الصباح يجلس فى الشرفة الصغيرة بعد عودته من صلاة الفجر مباشرة وبين يديه مصحف كبير يكاد لا ينظر لسطوره وكلماته – فهو الحافظ لكتاب الله- يراجع ورده الصباحى كما اعتاد طوال سنوات حياته …. وفى منتصف النهار يسعى فى الأرض لقضاء حاجات الناس وصلة الرحم وإغاثة الملهوف … يلزمه ذلك الصديق الوفى الذى يحثه على التلقائية دائما، يدفعه لأن يمشى وراء إحساسه وشعوره الذى لم يخيب ظنه أبدا … وفى المساء تجد الحاج أحمد فى الشرفة الكبيرة فى جلسة سمر ووناسة … إنه يعشق الترفيه عن ذاته ويأنس بمجالسة الناس ومخالطتهم على اختلاف أجناسهم وثقافتهم وهو ما تعلمه من صديق عمره الذى لم يفارقه فى أى من تلك الأمسيات. إن إيقاع حياة الحاج أحمد جعل يومه متماسك حتى عندما عاش وحيدا وانفض من حوله ابنائه الثمانية وزوجته الجميلة الوفية، فلم يسمعه أحد يوما ما يقول أنه يشعر بالملل!!! وكيف للملل أن يتسرب لنفس شخص ماهر فى اختيار رفيق الدرب وصديق العمر.
إن الحاج أحمد كان اشبه ما يكون بالأرض المحايدة التى تجمع المتناقضات فى تناغم وتعايش سلميّ، يراجع ورده القرائنى صباحا ويبحث عن أُنسه فى المساء. تعج حياته بالنشاط والحيوية عندما يخالط ويعاشر الناس، لكنه يسكن ويأنس بوحدته ويعيش هدوء وصفاء يحسد عليه عندما يختلى بذاته. يتصرف بمنتهى التلقائية والبساطة وهو أبعد ما يكون عن التكلف ولكن عندما تتأمل قسمات وجهه تشعر بغموض وعمق الشخصية … يجمع الضعف والقوة، الحنان والقسوة فى توازن دقيق علمه إياه صديقه الوفى.
لم يكن الحاج أحمد ليخطو خطوة دون استشارة هذا الصديق…. كانت بينهم علاقة صادقة قوية، علاقة مبنيه على المصارحة والوضوح، كان صديقه ومرآته، ساهم صديقه فى جعله “الرجل الأسطورة”. كان الحاج أحمد سيد قراره وكانت عبارته الشهيرة ” حأقول لكم مش حأقول، لكن أنا حأقول” وهى عباره لقنه إياها صديقه ليستخدمها فى الرد على كل من ينصحه بالتخلى عن تلقائيته وتكتم بعض الأمور، وهو ما كان يُشعره بتهديد حقيقى لكيانه وذاته فما كان منه إلا أن يتحايل على الموقف دون أن يَعد بما لا ينوى تنفيذه ويرسل رساله مفادها “إن أردت أن تتكتم أمرك فلا تخبرنى به”. فهم رسالته من فهمها وأعرض عنها من أعرض ولكنه كان صادق فيما يقول.
علمه صديق العمر أن يُمرر العديد من العبارات الناقده من قبيل (لماذا تفعل هذا بنفسك، ولماذا تتحمل العناء والمشقة وترهق نفسك؟؟ لا نجد مبرر لذلك) كان المحيطون بالحاج أحمد يرسلون هذه العبارات التى تسعى بحسن نيه لتغيير بعض عاداته التى تكبده العناء والمشقة ليستبدلها بالراحة و السكون والتخفيف عن نفسه، وكان صديقه يحثه على ان يتمسك بما يراه مناسبا له فسعيه فى الأرض وإن بدا للآخرين متعبا فهو سر سعادته وتماسك حياته، وتكبده لمشاق السفر بشكل مستمر إلى قريته الصغيرة هو ما يجعله يرتد إلى أصوله وجذوره ويحميه من التيه فى زحمة الحياة ، يجدد طاقته ونشاطه فيتنفس هواء نقى ويستمتع بعلاقات حقيقية مع أُناس لم تشوه شخصياتهم الحداثة والمدنية.
إن إصرار الحاج أحمد على أن يكون ذاته… يفهم نفسه ويصرح بصفاته المُستحسن منها والمستهجن على حد سواء، يقبل نفسه كما هى ويعتز بنشأته ويرتبط بأصوله وجذوره هو ما جعله متسقا مع ذاته متماسك الشخصية ذو كاريزما وحضور صاحب سرعة بديهة وخفة ظل. لم يسمح الحاج أحمد لأحد أن يتدخل فى ثنايا شخصيته ولم يقبل أن ينتزع أحدهم جزء من هويته تحت أى شعار حتى لو كان المكانه الاجتماعية … الراحة، أو غيرها من الشعارات البراقة الساحرة التى تسوق العديد من الناس نحو الهاوية. وعلى الرغم من تحفظ الحاج أحمد على ذاته إلا أن صديق عمره كان هو الوحيد الذى يملك حق اقتحام ثنايا ومنحنيات شخصيته … فمن هو هذا الصديق؟؟ وما سره؟؟ ولماذا سمح له بما لم يسمح لغيره به؟؟
إن هذا الصديق علمه عبارات كانت فى محطات حياته منارات،، حيث قال له:
• كن أنت.
• لا تعبء بالنقد.
• لا تؤذى أحد.
• حافظ على التلقائية والبساطة.
• لا تركن للكسل والراحة فهما الموت بعينه.
• استمتع بالحياة فهى مُسخرة لك.
• حافظ على فطرتك التى فطرك الله عليها.
• أفهم ما تريد وافصح عن ذاتك بلا تردد.
• لا تظهر عكس ما تبطن بل كن متسقا مع ذاتك.
• اسعى فى حاجات الناس فإن الله يكون فى عون العبد مادام العبد فى عون أخيه.
• اقترب من الأطفال واحتويهم واستمتع بصحبتهم فإنهم نبع البراءة والابداع فى الحياة.

من أنت أيها الصديق الحكيم ذو القول السديد؟؟
إن صديق الحاج أحمد الوفى طفل صغير لم يهرم مع الأيام ولم يغيره الزمان. توقف عنده الزمن وهو فى عنفوان طفولتة وأبى أن يستجيب لعقارب الساعة … إنه الطفل الصغير الذى يسكن كيان كل منا!!! ….. العديد منا يقهره يهمله يكبته يسكته يخرصه وقد يقتله بدعوى إن النضج يقتضى إقصاءه وابعاده عن ساحة الوجود، أى افتراء وسذاجة وسطحية تعدونا لمثل هذه الممارسات الوحشية ضد هذا الكيان الذى يحمل نبع الطُهر والبراءة والإبداع. لكن الحاج أحمد بيقظته، ووعيه الذى لم يفسد، وضميره اليقظ لم يتعامل مع الطفل الداخلى بهذه الوحشية، بل صادقه وأحبه وحماه وجعل منه صديق العمر، فبادله الصديق الحب ومنحه الدعم وجعل منه “الرجل الأسطورة”.
إذا أردت أن تصبح “أسطورة” استدعى الطفل الداخلى تعرف عليه ،، وصادقه، وإن كان مريضاً عالجه فالصاحب للصاحب كالرقعة للثوب إن لم تكن مثله شانته.

رحم الله الجد أحمد وأسكنه فسيح جناته
بقلم: هبة شركس

2019-06-04T01:12:12+00:00مايو 8th, 2019|الصّالون|لا توجد تعليقات

عن الكاتب:

اضف تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

×