كتير في الاستشارات تقابلني شخصيات تميل إلى الشجن، وعندما نتحدث عن مفهومها حول السعادة أجد أنها تعتبر السعادة مفتاح باب الألم … فمثل هذه الشخصيات هي التي إذا تعالت ضحكتها .. ختهمها بمقولة “خير .. اللهم أجعله خيرا” .. مستشعرةً أن بعد الضحك يتبعه ألم وغم .. وراجيةً من ربها أن يجعله خير.

إنهم أشخاص يخافون من السعادة ويشعرون بالألم فور تحرر هرمونات السعادة في أجسادهم .. فما السبب وراء ذلك؟

يأخذني هذا السؤال إلى مشاهد لطفل صغير يستمتع باستكشاف العالم من حوله، يصل لقمة سعادته عندما يفرغ أحد الأدراج من محتواه ويلقي به على الأرض، أو عندما يلعب في الماء في دورة المياه ويبلل ملابسه، أو عندما يحول علبة مناديل الفراشات تتطاير من حوله في حرية وانطلاق … ودائما تصطدم سعادته بنظرات حادة واصوات منزعجة من فعله، مزعجة له .. وتتبدل حالته من الانطلاق في السعادة واكتشاف العالم إلى الانطلاق في البكاء والخوف والألم .. وعندها تتكون أولى حلقات الارتباط الشرطي بين السعادة والألم .. فعقل الطفل الصغير يستنتج أن ما يبهجه يغضب من حوله، فيسارعوا إلى عقابه.. إذا كل سعادة يتبعها ألم .. والسعادة مرتبطة بعمل في الخفاء لا يرضى عنه من حولي … (السعادة يتبعها ألم)

مشهد آخر لطفل يافع خرج لشراء بعض الاغراض لوالدته وأثناء عودته التقى بأصدقاء له يلعبون الكرة فلعب معهم قليلا وعندما عاد عاقبته أمه على التأخير … (السعادة يتبعها ألم). 

فتاة على أعتاب الأنوثة قضت نصف نهارها في غرفتها تضع مساحيق التجميل وتشعر بالسعادة كونها أنثى، عندما شاهدها أهلها في البيت قاموا بتوبيخها وعاقبوها لانها ماتزال صغيرة .. رغم أنها اخبرتهم انها لن تخرج بهذا الشكل إلى الشارع .. (السعادة يتبعها ألم)

عقل الإنسان بشكل تلقائي مصمم على أن تجنب الألم أولوية ومقدم على الحصول على السعادة .. “درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة” .. وفي الواقع كتير من الممارسات تدفعنا إلى إهمال ملف السعادة لأنه مرتبط ارتباط وثيق بالألم.

جميع ما ذكرته اسمعه بشكل روتيني في الاستشارات، وهو ما يؤكد ضرورة التعامل الواعي مع الموضوع. 

كيف نتعامل مع دوائر السعادة والألم؟ وهل معنى ذلك أن نتوقف عن تربية الأبناء ونكافئهم على أخطاءهم؟

بخصوص التعامل مع دوائر السعادة والألم علينا أن نعي أن هناك مسارات تتشكل داخل دماغ الإنسان، وعندما تتأكد تلك المسارات يتم استخدامها بشكل تلقائي دون وعي أو تفكير .. واجبنا هو إعادة النظر في هذه المسارات والوعي بها ومحاولة تعديلها بحيث يتم فصل مسارات السعادة عن مسار الألم. وهذا ممكن وسهل حيث أن العقل البشري يتصف بمرونة عصبية عالية. 

وبخصوص تربية الأبناء علينا أن نتطور مهارات التعاطف والمواجدة قبل مهارات العقاب .. بحيث نكون قادرين على احترام مشاعر الأبناء وتنميتها وتطويرها، مثلا: عندما يعبث الطفل الصغير في الماء، ضمه وبدل له ملابسه واسمح له باللعب بملابس السباحة في المكان المناسب والمتوفر حتى لو كان الحمام، في وقت معين وتحت اشرافك، وإذا تكرر الخطأ رغم الاتفاق على بدائل مقبولة عاقبه على العبث. 

إيجاد بدائل آمنه لتحقيق السعادة لأبنائنا واجب تربوي، يضمن الصحة النفسية للأبناء. 

دمتم بصحة وسعادة

محو الأمية النفسية 

د. هبة شركس