طريق الصحة النفسية
ماهي الصحة النفسية ؟
الصحة النفسية كالأفق الممتد أمام أعيننا، تراها قريبة ثم تبتعد كلما اقتربنا . هي رحلة لا تنتهي ، وأبعاد متعددة تتشابك كخيوط النسيج ، تجعل من تعريفها مهمة معقدة لكنها مثيرة للتأمل. ومع ذلك ، حاولت الاتجاهات المختلفة وضع رؤى واضحة لتحديد مفهومها ، ورسم خريطة نستطيع بها فهم هذا العالم الداخلي العميق
الاتجاه الأول: الصحة النفسية كرحلة مستمرة نحو تحقيق الذات
يشبه هذا الاتجاه الصحة النفسية بنهر دائم الجريان ، حيث يؤكد أن الصحة النفسية ليست حالة ثابتة أو هدفًا يمكن الوصول إليه بسهولة، بل هي عملية مستمرة تنمو وتتطور مع الزمن . الإنسان هنا كمتسلق جبل شاهق ، يحاول في كل يوم أن يصل إلى قمة أعلى ، محاولًا تطوير قدراته وإطلاق إمكاناته الكامنة
ليمكو، أحد أبرز مؤيدي هذا الاتجاه ، وصف الصحة النفسية بأنها "هدف في المستقبل تسعى الشخصية باستمرار لتحقيقه". هي أشبه بشجرة تنمو في صحراء قاحلة ، تتحدى الظروف لتزهر، أو طائر يفتح جناحيه ويحلق فوق أعالي الجبال بحثًا عن أفق جديد
التعريف العلمي :
يرى هذا الاتجاه أن الصحة النفسية عملية ديناميكية مستمرة تركز على نمو الفرد وتطويره لتحقيق أقصى إمكانياته الكامنة . إنها هدف مستقبلي يتحقق تدريجيًا عبر السعي الدائم لتنمية الشخصية واختيار القيم التي تعكس طموحات الفرد وأهدافه في الحياة.
الاتجاه الثاني: الصحة النفسية كفن التوازن والتكيف
في هذا الاتجاه، تبدو الصحة النفسية كريشة تتراقص بين رياح الحياة ، توازن نفسها لتبقى معلقة بين السماء والأرض . يركز هذا الاتجاه على التكيف مع الواقع والمجتمع . بعض التعريفات تراها ببساطة "القدرة على العمل والحب"، كما قال فرويد في وصفه الشهير.
لكن خلف هذا التعريف البسيط يكمن عمق كبير؛ فليس كل عمل يحقق الصحة النفسية، ولا كل حب يُشعر بالرضا. التكيف هنا قد يكون معايير المجتمع ومتطلباته، أو قد يكون توازنًا داخليًا بين قوى النفس، مثل كيان يسعى للانسجام بين عقله وقلبه، ليعيش سلامًا داخليًا يشبه سطح بحيرة صافية تعكس السماء دون اضطراب.
التعريف العلمي:
يركز هذا الاتجاه على قدرة الفرد على التكيف مع متطلبات المجتمع والبيئة المحيطة ، بالإضافة إلى تحقيق توازن داخلي بين احتياجاته النفسية وقيمه . الصحة النفسية هنا تعني الأداء الوظيفي السليم في العمل ، والقدرة على إقامة علاقات إيجابية، مع تحقيق توازن بين العواطف والتحديات الخارجية.
الاتجاه الثالث: الصحة النفسية كلوحة مثالية
هذا الاتجاه يرفع سقف التوقعات ، ليضع الصحة النفسية في إطار من المثالية القريبة من الحلم . هنا، الفرد كفنان يرسم لوحة تجمع كل ألوان الحياة بتناغم متقن. الصحة النفسية وفقًا لهذه الرؤية ليست فقط توازنًا ، بل حالة متكاملة تتطلب تحقيق مجموعة من الصفات، مثل الشعور بالرضا عن النفس، وضبط النوازع، والوعي بالذات، وإدراك الواقع بوضوح.
جاهودا، التي قدمت هذه الرؤية ، ترى الصحة النفسية كمدينة فاضلة ، يصعب على الكثيرين تحقيقها. إنها كنجمة في السماء ، نراها تضيء ليلنا لكن الوصول إليها يظل أمرًا نادرًا.
التعريف العلمي:
يعرف هذا الاتجاه الصحة النفسية بأنها حالة متقدمة تتطلب تحقيق مجموعة من السمات الإيجابية مثل التوازن النفسي، وضبط النفس، والوعي بالذات، وإدراك الواقع بوضوح، إلى جانب الشعور بالرضا والسعادة. يتطلب تحقيق هذا النموذج المثالي مستوى عاليًا من الاتزان العاطفي والعقلي.
بين العلم والجمال
الصحة النفسية ، وفق هذه الاتجاهات ، تتأرجح بين كونها حلمًا نسعى لتحقيقه ، وحالة من التوازن نحتاج لفهمها ، ومجموعة من القيم المثالية التي نصبو إليها . كأنها خريطة تحدد ملامح الرحلة، لكنها لا ترسم الطريق بدقة
هي ليست مجرد حالة جامدة أو تعريف بسيط، بل تجربة متغيرة تنمو مع الإنسان وتُشكَّل بتجاربه . إنها مثل زهرة نادرة تنمو في أعماق النفس ، تحتاج إلى رعاية مستمرة ، ووعي مستنير، ورغبة في التقدم . وبين العلم الذي يشرح أبعادها والجمال الذي يلهمنا لتحقيقها، تظل الصحة النفسية دعوة لاكتشاف ذواتنا وإطلاق إمكاناتنا لنعيش حياة أكثر توازنًا وثراءً