الثوب المستعار

الثوب المستعار
بواسطة: هبة شركس

 

متلازمة المحتال: حين تعيش النجاح وكأنه ثوب مستعار

 

تخيل أنك تجلس في مسرح حياتك ، الأضواء تسلط عليك ، والناس يصفقون بحرارة . لكنك ، وسط هذا المشهد الباهر، لا تسمع سوى صوت داخلي يقول : "أنت لا تستحق كل هذا. سينكشف أمرك قريبًا." كأنك ممثل على خشبة لا تخصك ، وتخشى لحظة إسدال الستار . هل شعرت يومًا أن نجاحك هو ثوب مستعار؟ أن كل خطوة تخطوها نحو الأمام قد تنكشف حقيقتها ، في لحظةٍ ما ، كأنك تمثل في مسرحية دون أن تكون بطلها الحقيقي؟

هذه المشاعر ليست غريبة ، بل تلتف حول القلب كأنها مرآة مغطاة بالضباب ، ترى فيها نجاحك بصعوبة ، كأنه شيء غريب عنك . تخبرك نفسك أن ما وصلت إليه ليس جهدك ، بل "ضربة حظ". تخاف من الفشل ، وكأنك تسير على حبل مشدود في ارتفاع شاهق، تخشى أن تتعثر في أي لحظة . تراقب نجاحاتك كضيف غير مدعو إلى مأدبة فاخرة ، تتساءل: "هل أستحق حقًا أن أكون هنا؟"

ربما بدأت هذه المشاعر منذ الطفولة . عندما يُزرع الطفل في تربة مليئة بالتوقعات الصارمة والانتقادات القاسية، ينمو داخله شعور بأنه مهما فعل ، لن يكون كافيًا . ربما سمعت كلمات مثل: "هل هذا أفضل ما يمكنك فعله؟" أو "لماذا لا تكون مثل فلان؟" فترسخت داخلك رسالة غير مرئية تقول : "أنت لست جيدًا بما يكفي." ربما كنت في أسرة تطلب الكمال، أو شعرت بأنك دائمًا في سباق مع الآخرين، تُقارن نفسك بهم في كل خطو . هل لاحظت كيف أن هذه الرسائل أصبحت وشمًا داخليًا يرافقك حتى الآن ؟ هل فكرت يومًا كيف كانت تلك اللحظات الصغيرة تُعيد تشكيل صورتك عن نفسك ؟

تأمل في قصة تلك المرأة التي كانت ترى نفسها دائمًا في ظل الآخرين ، تشعر بأنها أقل منهم شأنًا ، رغم إنجازاتها التي تشهد بتميزها . كانت تخشى أن يُكتشف "سرها"، إلى أن أدركت أن ما تشعر به هو مجرد وهم نسجه خوفها . بدأت تدريجيًا ترى نفسها كما هي ، إنسانة مجتهدة تستحق ما حققته ، فكان الامتنان مفتاحها للتحرر

هناك من يعيش هذه المشاعر في جانب واحد من حياته ؛ كزوجة تنظر إلى حب زوجها وكأنه كرم منه ، وليس استحقاقًا لها . وهناك من يحمل هذا العبء في كل شيء: في العمل، والعلاقات، وحتى في أحلامه الشخصية. هل تساءلت: لماذا أُقلل من ذاتي ؟ لماذا لا أصدق أنني أستحق ؟

في عصرنا الحديث، قد تزيد وسائل التواصل الاجتماعي من حدة هذه المشاعر. عندما نرى صور النجاح المتلألئة للآخرين ، قد نشعر بأننا أقل شأنًا ، دون أن ندرك أن ما نراه هو مجرد لمحات من حياة الآخرين، وليس الصورة الكاملة. هل يمكن أن تكون المقارنات المستمرة هي الوقود الذي يشعل متلازمة المحتال داخلنا ؟

الشعور بالاستحقاق ليس غرورًا، بل هو إدراك أن نجاحك لم يكن صدفة ، بل هو لوحة رسمتها بجهدك وتعبك. هل يمكنك أن تنظر إلى تلك اللوحة وتتأمل تفاصيلها ؟ كيف يمكنك أن تسمح لنفسك بأن ترى قيمتك الحقيقية ؟ أن تُدرك أن قبولك لذاتك هو الجذور التي تجعل شجرة حياتك تقف بثبات ؟

لكن ، وبينما تحتفل بنجاحك وتحتضن شعور الاستحقاق، هناك توازن لا بد منه : الامتنان . أن تتذكر أن كل ما وصلت إليه كان بتوفيق الله ولطفه ، وأن جهدك كان سبيلًا منحه الله لك لتحقيق ما كتبه لك. الامتنان هو أن تقول: "لقد عملت بجد، لكن الفضل لله الذي منحني القوة، والظروف، والفرص." الامتنان لا ينفي الاستحقاق ، بل يمنحه بُعدًا أعمق ، حيث يصبح النجاح نعمة تستحق الشكر، وليس مدعاة للغرور أو الإغراق في الشعور بالذات . كيف يمكن لهذا التوازن أن يُريح قلبك ويثبتك على الطريق الصحيح؟

حين تعترف أنك تستحق ، تتغير موازين الحياة . تجد نفسك قادرًا على الاحتفاء بنجاحك ، ليس كرفاهية، بل كحق . تصبح قادرًا على التوازن بين التواضع والاعتراف بإنجازاتك . تخيل أن لديك القوة لتقول "نعم" لما يُثري حياتك ، و"لا" لما يُرهقك. هذا هو الاستحقاق الصحي ؛ النور الذي يضيء طريقك نحو الثقة بالنفس ووضع الحدود، التوازن بين الأخذ والعطاء

تحدّ أفكارك السلبية، تلك التي تخبرك أنك لا تستحق . قل لها: "بل أستحق، لأنني عملت لأصل إلى هنا، وأشكر الله الذي أعانني على ذلك." توقف للحظة. انظر إلى ما حققته كأنه لوحة، تحمل كل لون وضربة فرشاة أضفتها بيديك. كيف يمكنك أن تفخر بها دون تردد؟ اكتب رسالة إلى نفسك، تذكّر فيها بكل ما أنجزته، بكل العثرات التي تجاوزتها، واجعل من كلماتك جسرًا تعبر به من الشك إلى اليقين.

تحدث مع من تثق بهم ، من يمكنهم أن يروا فيك ما لا تراه في نفسك . ربما تحتاج إلى إعادة كتابة الرواية التي تخبرها لنفسك عن ذاتك . بدلًا من أن تقول : "نجاحي مجرد حظ"، جرب أن تقول : "نجاحي كان نتيجة جهد ونصيب عملت بجد لأجده بتوفيق من الله ." كيف ستبدو حياتك لو نظرت إلى نجاحك بهذه الطريقة؟

في النهاية، متلازمة المحتال ليست سوى غيمة عابرة في سماء حياتك . تذكّر أن كل إنجاز ، مهما بدا صغيرًا، هو جزء منك ، وليس ثوبًا مستعارًا . اسمح لنفسك أن ترى النجاح كما هو: انعكاسًا لحقيقتك ونِعمة تستحق الشكر. إذا كنت تشعر أنك لا تستحق، تذكر أن هذا الشعور ليس حقيقة . الآن، حان وقت أن تكتب روايتك بنفسك ، رواية مليئة بالثقة ، بالشعور بالاستحقاق ، والاعتراف بجمال الرحلة التي خضتها لتصل إلى هنا

في نهاية الرحلة ، تذكر أن الامتنان هو البوصلة التي تعيد توجيه سفينتك نحو شواطئ الرضا . أن تنسب الفضل إلى الله دون اغترار بالنفس هو السبيل إلى استحقاق إيجابي يحررك من قيود المتلازمة ، ويمنحك السلام الداخلي . فهل ستسمح لنفسك اليوم بأن ترى قيمتك الحقيقية، وتحتضن نجاحاتك كنعمة تستحق الشكر والاحتفاء؟

Inline Modal

يرجي تسجيل الدخول

نسيت كلمة المرور؟

انشأ حساب جديد

الرجاء إدخال رقم هاتفك المسجل

Show notification