حكايتك تهمنا

حكايتك تهمنا
بواسطة: هبة شركس

 

في ليالٍ هادئة ودافئة ، نتجمع حول شخص يروي لنا قصصه . كلماته تأخذنا عبر الزمن ، تلهمنا ، تسلّينا ، وتمنحنا شعورًا بأننا جزءٌ من حكاية أكبر . منذ القدم ، كانت الحكايات وسيلة البشر لفهم العالم ولربط أواصر المجتمعات . لم تكن القصص مجرد تسلية ؛ بل كانت شعلة تضئ ظلمات الجهل وتلهم النفوس بالمعاني العميقة. حتى الكتب السماوية حملت بين طياتها قصص الأولين، تخبرنا عن أجيالٍ سبقتنا، عن صراعاتهم وانتصاراتهم، لتبني العقيدة، وتوضح لنا كيف تتكرر الحياة في دوراتٍ لا تنتهي، ولتُرشدنا لأخذ العبرة والعظة
الإنسان لا يعيش حياته كمجموعة من الأحداث المتفرقة ، بل كحكاية متصلة . كل تجربة يمر بها تضيف سطرًا جديدًا إلى سرديته الذاتية . كل لحظة ألم أو فرح ، كل قرارٍ صغير أو كبير، يتحول إلى جزءٍ من رواية تكوّن هويته وتمنحه شعورًا بالمعنى في مواجهة الغموض الذي يحيط بالحياة . العقل لا يرضى بالفراغ أو الفوضى ، فيحوّل التجارب إلى سردٍ يحمل معنى ، وكأنه رسّام يبحث في فوضى الألوان عن لوحة تروي حكايته

كيف تتشكل الرواية الذاتية؟
الرواية الذاتية ليست مجرد سرد للأحداث ، بل هي نتاج تفاعل معقد بين الذاكرة، المشاعر، والمعنى. إنها أشبه بعمل فني متقن تتداخل فيه الألوان والخطوط لتعكس أعماق النفس البشرية

1. دمج ذاكرة المشاعر وذاكرة الأحداث:
الأحداث في حد ذاتها ليست أكثر من صور ثابتة في الأرشيف ، لكنها تصبح جزءًا من الرواية الذاتية عندما تُدمَج بالمشاعر. قد تكون ذكرى غروب الشمس مجرد صورة عابرة ، لكنها في الرواية الذاتية تتحول إلى لحظة سلام داخلي أو رمز لفقدٍ مرير. كما قال الشاعر جبران خليل جبران: "ما أكثر ما نتوق إلى لحظة من الماضي ، لنعيشها من جديد ، لعلنا نجد فيها ما فقدناه"
2. إضافة المعنى:
الدماغ لا يكتفي بتسجيل الأحداث ؛ بل يسعى دائمًا لإضافة معنى لها . كل حدث ، سواء كان بسيطًا كتحضير كوب قهوة ، أو عميقًا كوداع عزيز، يجد مكانه في الرواية من خلال الإجابة على أسئلة داخلية : "لماذا حدث هذا ؟ ماذا يعني لي؟ كيف يمكنني استخدامه لفهم نفسي؟" هنا ، نجد أن الإنسان يسعى لإيجاد الغاية من تجاربه ، كما أشار فيكتور فرانكل في كتابه "الإنسان يبحث عن معنى"
3. استخلاص المعنى من المعاناة:
الألم جزء لا يتجزأ من الرواية الذاتية . لكنه ليس النهاية . الإنسان يبحث عن المعنى في معاناته ، يحوّل الألم إلى درس ، والخسارة إلى بداية جديدة . هنا تتداخل الرواية الذاتية مع الإرادة ، حيث تصبح الحكاية وسيلة لإعادة صياغة المعاناة كمصدر قوة. كما قال الفيلسوف نيتشه: "ما لا يقتلني يجعلني أقوى"
4. تعزيز الهوية:
الرواية الذاتية تساعدنا على فهم من نحن . نحن لسنا فقط أبطال هذه القصة ، بل أيضًا مؤلفوها. من خلال الحكاية ، نحدد قيمنا ، أهدافنا ، وما يميزنا عن الآخرين . إنها البوصلة التي ترشدنا خلال فوضى الحياة . كما أكد عالم النفس كارل يونغ: "من لم يعش أسطورة شخصية، لم يعش على الإطلاق"
5. التماسك الداخلي:
السردية الذاتية توحّد الأجزاء المتناثرة من حياتنا . من خلال دمج التجارب المتناقضة، كأفراح النجاح وأوجاع الفقد، تصبح الرواية الذاتية بمثابة الجسر الذي يربط الماضي بالحاضر ويمنح الحياة اتساقًا داخليًا. هذا التماسك يمنحنا القوة لمواجهة تحديات المستقبل

علم الأعصاب: المخرج الخفي لسردياتنا
داخل الدماغ، هناك مسرحٌ لا يتوقف عن العمل. الحُصين (Hippocampus)، تلك البنية العميقة، يعمل كأرشيف للأحداث، يلتقط الذكريات ويحوّلها إلى أجزاء من القصة. بينما تتولى القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex) دور المخرج، تعيد ترتيب الأحداث، تضيف إليها لمساتٍ من العاطفة والمعنى، وتقرر ما يستحق أن يبقى وما يمكن تجاوزه

هذا المسرح لا يعمل بمعزل عن المشاعر. الجهاز الحوفي (Limbic System)، المسؤول عن العواطف ، هو الذي يضيف الموسيقى التصويرية . اللوزة الدماغية (Amygdala)، تحديدًا، تقيّم المحتوى العاطفي للذكريات ، فتجعل ذكرى صغيرة، كضحكة طفولية، تضج بالحنين، أو تجعل لحظة ألمٍ عابرة تنبض بالخوف حتى بعد سنوات

الصدمة: العاصفة التي تعصف بسرديتنا
الصدمة ليست مجرد حدث عابر؛ إنها زلزال يضرب أسس الرواية الذاتية ، يهزّ قناعاتٍ كنا نظنها راسخة ، ويبعثر خيوط السرد التي كانت تمنحنا شعورًا بالأمان . حين تضرب الصدمة ، يصبح الماضي فجوة مظلمة ، والحاضر مزدحمًا بأشباح الذكرى، والمستقبل غامضًا كضبابٍ لا نهاية له

كيف تهز الصدمة روايتنا؟
1. انقطاع الخيط السردي:
يشعر من يعاني من الصدمة بأن حياته انقسمت إلى "ما قبل" و"ما بعد". وكأن الزمن قد توقف عند لحظة معينة، تاركًا إياه عالقًا في تكرارٍ مريرٍ لتلك اللحظة . مثال ذلك جندي عاد من الحرب ، لا يستطيع تجاوز مشاهد الدمار والدماء ، فتتحول حياته إلى دائرة مغلقة من الذكريات المؤلمة
2. فقدان الهوية:
الصدمة تُعيد الشخص إلى سؤالٍ وجودي: "من أنا؟" قد تهزّ قناعاته الراسخة عن نفسه والعالم، وتجبره على مواجهة أزمة هوية ، حيث يصبح غريبًا عن ذاته القديمة . كما حدث مع شخصية سعيد مهران في رواية "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ، حيث يجد نفسه غريبًا عن المجتمع الذي كان يعرفه بعد خروجه من السجن ، ويواجه أزمة هوية تجعله غير قادر على التأقلم مع واقعه الجديد
3. ردود فعل مبالغ فيها:
المثيرات العادية التي كانت تمرّ مرور الكرام تصبح الآن عواصف تهزّ الأعصاب . صوتٌ عالٍ قد يذكّر بصوت الانفجار، أو لمسة خفيفة قد تفتح جراحًا قديمة. الدماغ، تحت تأثير الصدمة ، يصبح في حالة تأهب دائم ، وكأن العدو يترصده خلف كل زاوية. هذا ما يُعرف بـ فرط اليقظة (Hyperarousal)، وهو أحد أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
4. ازدحام الحاضر:
الصدمة تملأ الحاضر بشظايا الماضي . الشخص لا يعيش اللحظة، بل يعيد معايشة الصدمة مرارًا وتكرارًا، فيما يُعرف بـ إعادة التجربة (Re-experiencing)، حيث تكون الذكرى حية كأنها تحدث الآن . قد يشعر الشخص بأنه محاصر في دوامة لا تنتهي من الصور والأصوات والمشاعر المرتبطة بالحدث الصادم


ما الذي يتغير في الدماغ؟
تُظهر الأبحاث أن الصدمة تغيّر طريقة عمل الدماغ بعمق:
الحُصين، المسؤول عن تنظيم الذكريات ، يصبح أقل كفاءة ، مما يجعل الذكريات المؤلمة تطفو دون سياق واضح . هذا يؤدي إلى صعوبة في تكوين ذكريات جديدة والتفريق بين الماضي والحاضر
اللوزة الدماغية (Amygdala)، مركز الخوف، تصبح مفرطة النشاط ، مما يجعل الشخص يستجيب للمثيرات العادية كما لو أنها تهديدٌ حقيقي . هذه الاستجابة المبالغ فيها تُبقي الشخص في حالة توتر وقلق مستمرين
القشرة الجبهية الأمامية، المسؤولة عن التفكير المنطقي والتنظيم العاطفي ، تفقد بعضًا من قدرتها على السيطرة ، مما يجعل المشاعر تبدو جارفة وغير قابلة للتحكم . هذا يفسر صعوبة اتخاذ القرارات والتحكم في الانفعالات
هذه التغيرات العصبية ترتبط بشكل مباشر بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، حيث يعاني الأفراد من كوابيس ، ذكريات مؤلمة ، تجنب للمثيرات المرتبطة بالصدمة ، وفرط اليقظة

الصدمة كسكين ذات حدّين
رغم أن الصدمة قد تبدو وكأنها نهاية للسردية، إلا أنها قد تكون بداية لفصل جديد. إنها الرياح التي تُسقط الأوراق الميتة عن الشجرة، لكنها تتيح الفرصة لبراعم جديدة تنمو. قد يجد الشخص نفسه مضطرًا لإعادة كتابة حكايته، ليعيد ترتيب الأدوار، وليضيف معاني جديدة للأحداث القديمة.

حين تبعث الصدمة روايتنا:
التأمل وإعادة البناء:
بعد الصدمة، يبدأ الشخص في البحث عن معنى لما حدث . قد يضيف إلى حكايته لمسة من الحكمة ، أو يجد في الألم درسًا يغير نظرته للحياة . كما قال عالم النفس سيغموند فرويد : "من رماد المعاناة، تولد أجنحة الحكمة"

النمو من الألم:
هناك من يجد في الصدمة قوة خفية، وكأن الألم كان مفتاحًا لباب جديد . ينمو الشخص ليصبح أكثر وعيًا ، أكثر عمقًا ، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة. يُعرف هذا بـ النمو ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Growth)، حيث تتحول التجربة السلبية إلى فرصة للتطور الشخصي

أمثلة واقعية وتاريخية

هيلين كيلر:
فقدت حاستي السمع والبصر في طفولتها بسبب مرض، لكنها تجاوزت الصدمة وأصبحت كاتبة ومحاضرة ملهمة. قصتها تعكس كيف يمكن للإنسان أن يعيد بناء سرديته ويتحول من ضحية إلى رمز للأمل والقوة.

نيلسون مانديلا:
بعد 27 عامًا من السجن، خرج ليقود بلاده نحو المصالحة والسلام، بدلًا من الانتقام. حول مانديلا معاناته إلى حافز لتغيير التاريخ، وأعاد كتابة روايته الذاتية لتكون مصدر إلهام لملايين الناس.


توجيهات عملية للتعامل مع الصدمات
1. البحث عن الدعم:
لا تواجه الصدمة وحدك. التحدث مع الأصدقاء والعائلة أو الانضمام إلى مجموعات دعم يمكن أن يساعد في تخفيف العبء.
2. العلاج النفسي:
العلاج بالسرد (Narrative Therapy) يساعد الأفراد على إعادة كتابة قصتهم الشخصية، والتركيز على القدرات والموارد الداخلية للتغلب على التحديات.
3. التأمل والوعي الذاتي:
ممارسة التأمل واليقظة الذهنية يمكن أن يساعد في تهدئة العقل والتحكم في المشاعر.
4. الكتابة التعبيرية:
تدوين المشاعر والأفكار يساعد في تنظيمها وفهمها بشكل أفضل. الكتابة يمكن أن تكون وسيلة فعالة لإعادة بناء الرواية الذاتية.

سماءٌ بعد العاصفة
الإنسان، في نهاية المطاف ، كاتبٌ لا يتوقف عن الكتابة. قد تتعرض روايته لرياحٍ عاتية ، أو تمزقها يد القدر، لكن يظل في داخله نورٌ يدفعه لإعادة الكتابة ، لإيجاد المعنى وسط الفوضى ، ولنسج قصة تستحق أن تُروى . الرواية الذاتية ليست مجرد كلمات؛ إنها خريطة الروح ، حيث يصبح الألم وقودًا للنمو، والخوف جسرًا يعبر به إلى الحكمة
كما قال الشاعر محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة." وحتى في أحلك اللحظات ، تظل القدرة على السرد وإعادة بناء الذات هي النور الذي يهدينا

الرواية الذاتية هي الحكاية التي نرويها لأنفسنا عن أنفسنا. إنها الوسيلة التي نستخدمها لفهم من نحن ، ولماذا نحن هنا ، وكيف نواجه تحديات الحياة . من خلال دمج الذكريات بالمشاعر، وإضافة المعنى إلى التجارب ، نكوّن هويتنا ونرسم مسارنا. وعندما تعصف بنا الصدمات ، تهزّ هذه الرواية ، لكنها أيضًا تمنحنا الفرصة لإعادة الكتابة، لإعادة البناء ، وللنمو
نحن مؤلفو قصصنا، ونحن من نقرر كيف نرويها ، وكيف نعيشها . فلتكن حكايتك مصدر إلهام ، ولتكن صفحاتك مليئة بالشجاعة والأمل ، ولتكن نهاياتك بدايات جديدة

خذ لحظة لتسأل نفسك: ما هي قصتي؟ كيف يمكنني إعادة كتابتها بطريقة تمنحني القوة والمعنى؟ تذكر أنك لست مجرد شخصية في روايتك، بل أنت المؤلف الذي يملك القدرة على تغيير السرد في أي لحظة

Inline Modal

يرجي تسجيل الدخول

نسيت كلمة المرور؟

انشأ حساب جديد

الرجاء إدخال رقم هاتفك المسجل

Show notification