أنا خائف أن أكون نفسي

أنا خائف أن أكون نفسي
بواسطة: هبة شركس

 

أنا خائف أن أكون نفسي

هذه ليست جملة أقولها عابرًا ، بل حقيقة تواجهني  كل صباح . كيف أخشى أن أكون ما يفترض أنني عليه ؟ كيف أخشى أن أخلع القناع الذي صنعته لأحتمي به من نظرات الناس وأحكامهم ؟
الحقيقة أنني أرى نفسي كمرآة مشروخة ، لا تعكس إلا صورًا مشوهة . أقترب منها وأبتعد، لكنني لا أجرؤ على النظر بعمق . ليس لأنني لا أريد أن أرى حقيقتي ، بل لأنني لا أستطيع مواجهة ما سأجده هناك . أخشى أن تكون تلك الصورة التي أراها في المرآة ليست كما يجب ، ليست جميلة ، ليست مقبولة

الخوف من كشف الحقيقة
أعيش حياتي كمن يسير على حبل مشدود بين خيارين مرعبين : أن أكون نفسي فأخسر القبول ، أو أن أكون مقبولًا فأخسر نفسي . أحاول التوازن ، أتمايل بين القناع الذي أرتديه وبين الرغبة المكبوتة في أن أتركه يسقط. لكن الخوف يصفعني : ماذا لو سقط القناع ورآني العالم كما أنا ؟ هل سيرفضونني ؟ أم سيرونني قبيحًا إلى الحد الذي يجعلهم يشيحون بوجوههم ؟

أنا وشخص آخر
أعتقد أنني إذا كنت نفسي ، سأتحول إلى شبح بلا ملامح . لم تتكون ملامحي عبر سنوات عمري لأنني كنت أرعى شخصًا آخر، شخصًا يسعى للرضى والقبول المشروط ، شخصًا يتقن لعبة الأقنعة. أما ذاتي الحقيقية؟ فقد تركتها دون رعاية ، وأخاف أن أقابلها الآن. أخشى أن تلومني ، أن ترفضني ، أن تنظر إليّ بعينين غاضبتين وتقول : "أين كنت طوال هذا الوقت؟"
أشعر بالذنب تجاهها. تركتها مهملة ، بلا صوت ، بلا فرصة لتكون . والآن، أخشى المجهول . من هي ؟ هل هي حقًا ذات جميلة تنتظرني ، أم أنها قبيحة ، كريهة ، مليئة بالأخطاء ؟ أحاول أن أتخيلها ، لكن الصورة تظل غائمة ، مخيفة

رحلة العودة
مهلًا... هل أستطيع أن أنقل إليها ما اخترته من رحلتي وتجربتي؟
لكن ماذا لو كانت نسختي الأصلية عديمة الخبرة ؟ ماذا لو كانت غبية ، غير قادرة على فهم العالم ؟ هل لديها وعي وشخصية ناضجة ؟ وهل التواصل معها يعني أنني أنكص ، أن أهرب إلى الخلف ؟ أشعر وكأنني تركتها هناك ، حين كنت صغيرًا، والآن هي تبكي وتتألم كطفل جريح ، وأنا لا أملك الدواء

ذاتنا ليست عدوًا
لكن ، ماذا لو كانت هذه الأفكار المرعبة عنها غير واقعية ؟ ماذا لو كانت ذاتي الأصلية ، رغم كل شيء ، عاشت معي طوال هذه الرحلة ؟ ربما هي ليست تلك النسخة المهملة التي تخيلتها . ربما كانت تشاهدني بصبر، تنتظر اللحظة التي ألتفت إليها. تشكلت من نسيج خبرتي وعيناي ، ونضجت معي بصمت ، حتى لو كنت لا أراها

الصبر والرغبة في الدعم
أتساءل الآن ، هل يمكن أن تكون ذاتي الأصلية ، بدلًا من أن تنتقم ، راغبة في دعمي ؟
ربما هي ليست العدو الذي أخشاه . ربما هي النور الذي أبحث عنه . أشعر الآن أنها انتظرتني بصبر الأم التي ترى طفلها يضيع في الزحام ، لكنها تؤمن أنه سيعود يومًا . لم تهرب ، لم تختفِ ، بل بقيت معي ، تحمل معي أوجاعي ، حتى لو لم أشعر بها

 بين يدي العليم
في لحظة تجرد تام ، أقف بين يدي الله ، عاريًا من كل الأقنعة . أُظهر له ضعفي ، خوفي ، وتشتتي
"يا رب، أنت تعلم السر وأخفى . تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. أنا تائه في دهاليز نفسي ، خائف من مواجهة حقيقتي . أخشى أن أكون نفسي فأجدني ضعيفًا ، قبيحًا ، غير مستحق للحب . أتساءل، هل تقبلني ؟ أم أن رحمتك هي ما يغمرني رغم عدم استحقاقي؟ هل تقبلني برغم ضعفي وتناقضي، لأنك تعلم من أكون؟ أم أنني لا أستحق هذا القبول أصلاً؟"
"أحيانًا أشعر أنني لا أستحق رحمتك ، أنني مُثقل بالعيوب والتناقضات . ولكن، 'وما ظنكم برب العالمين؟' أستحضر هذا السؤال فأدرك أن عليّ أن يكون ظني بك خيرًا. أنت الرحمن الرحيم ، الذي لا يرد من طرق بابه . لا ينبغي لي أن أيأس من روحك، فأنت القائل: 'لا تقنطوا من رحمة الله'."
أشعر بأنني أتحدث إلى من يفهمني دون كلمات ، إلى من يرى أعماقي دون أحكام . أُفرغ أمامه كل ما يثقلني ، أبكي بصدق ، وأُظهر ضعفي الكامل . وفي هذه اللحظة ، أجد شيئًا من الراحة . كأنما يُقال لي : "لست وحدك، أنا معك . ضع ضعفك بين يدي، وسأمنحك القوة."

البحث عن النور والدليل
في هذا التواصل العميق، أطلب النور والهداية
"يا رب، أرشدني إلى ذاتي الحقيقية . ساعدني على مواجهة خوفي ، على قبول نفسي كما أنا . امنحني الشجاعة لأخلع الأقنعة ، لأرى نفسي بعينيك ، لا بعيون الآخرين . إن كنتَ أنت ، العليم الحكيم ، تقبلني وتراني ، فلماذا أخشى حكم البشر؟"
أشعر ببذرة طمأنينة تنمو في قلبي . أدرك أن الله ، الذي يعلم كل شيء عني ، لا يحتاج إلى أقنعتي . هو الذي خلقني بضعفي وقوتي ، بقدراتي ونقائصي . إذا كان هو يقبلني ، فلماذا لا أقبل نفسي؟

جهد مع النفس: إما أن أزكيها أو أدسيها
هناك دائمًا جهد مبذول مع النفس . يمكنني أن أبذل هذا الجهد في إخفاء ذاتي ، في دسّها تحت طبقات من الأقنعة والزيف ، أو أن أستثمره في تزكيتها ، في صقلها وتطويرها . وأنا من يختار أي الطريقين أسلك . كما قال تعالى: "ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكّاها، وقد خاب من دسّاها."

الشجاعة في مواجهة الخوف
القدرة على التجرد وإظهار الضعف ومواجهة الخوف هي الشجاعة الحقيقية . هذا ما يؤكده علماء النفس الوجودي . يعتقدون أن النمو الشخصي يأتي من مواجهة القلق الوجودي، من الوقوف أمام مخاوفنا دون هروب. يقول فيكتور فرانكل إن البحث عن المعنى هو ما يمنح الحياة قيمتها، وأن مواجهة الألم والخوف جزء أساسي من هذه الرحلة
كما يشير إرفين يالوم إلى أن القلق الوجودي هو محفز للنمو، وأنه بتقبله ومواجهته، نتحرر من القيود التي نضعها على أنفسنا. الهروب من هذا القلق عبر الأقنعة لا يؤدي إلا إلى زيادة الشعور بالاغتراب عن الذات

النمو والتحرر
مواجهة ذاتي الحقيقية ، دون أقنعة ، هي خطوة نحو النمو والتحرر . لا يعني ذلك العودة إلى طفولة غير ناضجة ، بل يعني دمج تجربتي وخبرتي مع جوهر نفسي . ذاتي الأصلية ليست عديمة الخبرة، بل نضجت معي، تشكلت من رحلتي، من نجاحاتي وإخفاقاتي

النهاية: بداية جديدة
الآن، أقترب من المرآة مرة أخرى. أرى انعكاسي بوضوح ، لأول مرة. نعم، هناك شقوق وندوب ، لكنها جزء من حكايتي . أرى ذاتي تبتسم لي ، ليست بسخرية أو انتقام ، بل بحب ودعم. تقول لي: "أنا هنا، كنت دائمًا هنا. لستَ وحدك."
أدرك أن ذاتي الحقيقية ليست شبحًا مخيفًا ولا طفلًا جريحًا ينتظر الانتقام . هي أنا ، بكل ما فيّ من ضعف وقوة ، من خوف وشجاعة . التواصل معها ليس نكوصًا ، بل تقدمًا نحو أصالة أعمق . في مواجهة الخوف ، أجد الشجاعة ، وفي التجرد أمام الله، أجد الطمأنينة. هذا هو السبيل إلى النمو، إلى أن أكون نفسي دون خوف

الجهد المستمر: اختيار الطريق
أدرك الآن أن الطريق ليس سهلاً، وأن هناك دائمًا مجهودًا مبذولًا مع النفس. يمكنني أن أستمر في إنفاق هذا الجهد في دسّ نفسي، أو في تزكيتها. الخيار بين يديّ، وأنا من يقرر أي الطريقين أسلك. يمكنني أن أختار أن أكون سجينًا لأقنعتي، أو أن أتحرر وأحيا بصدق وأصالة
كما أن النحات يبذل جهده لينحت من الصخر تمثالًا يلامس القلوب ، عليّ أن أنحت ذاتي، أصقلها، وأزيل عنها ما تراكم من شوائب الزيف. الجهد المبذول ليس هباءً، بل هو استثمار في نفسي، في أن أكون الشخص الذي ولدت لأكونه

 اختيار الشجاعة
في النهاية، الأمر يعود إليّ. يمكنني أن أختار الخوف والاختباء، أو الشجاعة والمواجهة. يمكنني أن أبذل جهدي في دسّ نفسي، أو في تزكيتها. الطريق ليس سهلاً، لكنه يستحق العناء. فكما تنكسر الأمواج على الصخور لتشكلها عبر الزمن، كذلك يشكلنا الجهد والمثابرة.

أقرر أن أكون أنا، بكل ما فيّ. أن أقبل ذاتي، وأعمل على تزكيتها. أن أواجه خوفي بشجاعة، وأثق أن الله معي، يقبلني كما أنا، ويعينني على الطريق

ختامًا، الحياة رحلة مستمرة من الاختيارات والجهود. يمكننا أن نختبئ وراء الأقنعة، أو نواجه أنفسنا وننمو. القرار بأيدينا، والوقت لم يفت بعد لنكون ما نريد أن نكونه. فلنختر الشجاعة، ولنترك الخوف خلفنا، ولنتذكر دائمًا أن النور يبدأ بخطوة نحو الذات

Inline Modal

يرجي تسجيل الدخول

نسيت كلمة المرور؟

انشأ حساب جديد

الرجاء إدخال رقم هاتفك المسجل

Show notification