لا يستطيع الإنسان مواصلة العطاء دون تغذية راجعة إيجابية أو تقدير . حين تنعدم كلمات الامتنان أو التفاعل، يتسلّل شعور الاستنزاف أو "لا جدوى مما أفعله".

لا يستطيع الإنسان مواصلة العطاء دون تغذية راجعة إيجابية أو تقدير . حين تنعدم كلمات الامتنان أو التفاعل، يتسلّل شعور الاستنزاف أو "لا جدوى مما أفعله".
بواسطة: هبة شركس

بين فيضٍ وانطفاء: كيف ننجو من إرهاق الإيجابية؟

الوجه الآخر للعطاء

كيف لنسائم الحبّ والعطاء والكلام الطيّب، تلك التي تهبّ عادةً فتنعش الأرواح وتضيء الدروب، أن تتحوّل أحيانًا إلى أثقالٍ تُرهقنا وتصادر قدرتنا حتى على إلقاء تحيّة الصباح ؟ وما الذي يدفع مَنْ جُبِلَت روحه على نشر السعادة ومساعدة الآخرين لأن يستسلم فجأة للتعب والملل ، كأن منبعه العاطفيّ قد نضب ؟ وهل حقًّا ارتفاع موجة المشاعر الإيجابيّة قد يُغرقنا ؟ كيف يفسّر لنا علم النفس الإيجابي هذا التناقض العجيب بين وهج المشاعر حينًا ووهنها حينًا آخر؟ "سؤال من الجمهور بتصريف" 

إنّ قلب الإنسان أشبه بشجرة وارفة تمدّ أغصانها بالعطاء والودّ إلى من حولها ، تظللهم بحبّها وتطيب نفوسهم برحيق كلماتها. لكنّ هذه الشجرة ، مهما اشتدّت جذورها في الأرض ، تبقى بحاجةٍ إلى ماءٍ يسقيها وضوءٍ ينعش أوراقها . فإذا ما استمرّت في منح ثمارها دون أن تجد من يُشبع جذورها بالعناية والراحة ، فإنّها تذبل ببطء ، وقد لا تقوى على رفع أوراقها في وجه نسمة الصباح.

ومع أنّ هذه المشاعر من حبّ وعطاء تُعدّ بالأساس طاقةً جميلة تخلق أجواءً إيجابيّة وتعزّز العلاقات بين الناس ، إلّا أنّ الكثيرين يواجهون لحظات يشعرون فيها بالإرهاق أو الاستنزاف بعد فترة من بذلها بشكل مكثّف . أحيانًا يجد المرء نفسه عاجزًا حتى عن إلقاء تحيّة الصباح ، رغم امتلاء قلبه حبًّا وتقديرًا للآخرين . وفي أحيان أخرى ، يشاطر الآخرين هذا الإحساس ، ليكتشف أنّهم يعانون المشكلة نفسها

 

1. لماذا قد تكون المشاعر الإيجابية مستنزفة؟

1. الضغط الداخلي و”تضخيم” المشاعر
قد نسعى أحيانًا إلى تقديم صورة مثالية ، فنحاول أن نكون إيجابيين طوال الوقت بشكل مبالغ فيه . هذا الجهد المستمر لـ"الحفاظ على الوجه الإيجابي" يتحول إلى عبء ويقود إلى إنهاك عاطفي . يشبه الأمر محاولة إبقاء شمس النهار مشرقة بلا غروب؛ ما يرهق النفس ويستنزف طاقتها

2. عدم وجود توازن
حين يركّز الشخص بشكل مُفرط على إسعاد الآخرين وإعطائهم ، دون إعطاء نفسه الحقّ الكافي في الراحة أو الانسحاب المؤقّت ، فإنّه يعرّض روحه للجفاف . كالنهر الذي يفيض بمياهه دون أن تتجدّد ينابيعه؛ فيفقد قدرته على العطاء

3. القصور في التغذية الراجعة
لا يستطيع الإنسان مواصلة العطاء دون تغذية راجعة إيجابية أو تقدير . حين تنعدم كلمات الامتنان أو التفاعل، يتسلّل شعور الاستنزاف أو "لا جدوى مما أفعله". وقد أشارت دراسةٌ نشرها باحثون في جامعة ميشيغان (2019) إلى أنّ الأفراد الذين يُفرطون في منح الدعم الوجداني للآخرين دون أن يحظوا بتقديرٍ أو راحةٍ كافيين ، ترتفع لديهم مؤشرات الاحتراق العاطفي بنسبةٍ تتجاوز 40% مقارنةً بمن يوازنون بين عطائهم واحتياجاتهم النفسية

4. التوقّعات العالي
قد نتوقّع من الآخرين ردود فعل تعادل درجة حماسنا وعطائنا ؛ وحين لا يحدث ذلك ، نشعر بالإحباط أو الملل . هي كتلك النبتة التي ننتظر منها أن تزهر فورًا وبلا توقّف؛ وعندما لا تفعل ، ينتابنا الإحباط

 

2. ماذا يقول علم النفس الإيجابي؟

يركّز علم النفس الإيجابي (Positive Psychology) على بناء جوانب القوة والرفاه النفسي لدى الإنسان، لا مجرّد علاج المشكلات. تؤكّد مبادئه أنّ السعادة الحقيقيّة لا تعني إجبار النفس على الابتهاج الدائم، بل تحقيق توازن صحي بين مختلف المشاعر، والتعامل الواعي مع التحدّيات اليوميّة

المشاعر الإيجابيّة يجب أن تكون حقيقية وأصيلة (Authentic)
وليست مجرد قناع يهمّش المشاعر السلبيّة تمامًا، أو ما يُعرف بالتفكير الإيجابي السام (Toxic Positivity)

نموذج بيرما (PERMA)
وضعه مارتن سليغمان لتوضيح عناصر الرفاه:

1. المشاعر الإيجابية (Positive Emotions)
2. الاندماج أو التدفق (Engagement) 
3. العلاقات الإيجابية (Positive Relationships)
4. المعنى (Meaning)
5. الإنجاز (Accomplishment)


عندما تتحقق هذه الجوانب بشكل متوازن، تصبح السعادة أكثر رسوخًا في النفس. ويوضّح ذلك أبحاث الدكتورة باربرا فريدريكسون (Barbara Fredrickson) بجامعة نورث كارولاينا؛ إذ تدلّ نتائجها على أنّ الإبقاء على “نسبة صحيّة” من المشاعر الإيجابيّة إلى السلبيّة (3:1 مثلًا) يعزّز النمو النفسي والمرونة، شرط أن تكون تلك المشاعر صادقة وغير قسرية

 

3. متى تكون المشاعر “مشبعة ومنتجة”؟

إنّ المشاعر الإيجابيّة كالنهر الرقراق؛ إذا تزوّد بجدولٍ داخليّ عذب، استمرّ في فيضه للآخرين بلا عناء. وفي الإطار العلمي، تكون هذه المشاعر مشبعة ومثمرة في الحالات الآتية:

1. حين تكون نابعة من دافع داخلي
أن تعطي لأنك تؤمن بذلك من أعماقك، وتشعر برضا حقيقي ينمّي طاقتك بدل أن يستنزفها

2. وجود حدود صحية (Boundaries)
التوازن بين منح الآخرين ومساحتك الخاصة أمر جوهري؛ معرفة متى تقول “لا” تحمي شجرة روحك من الجفاف

3. التبادل والتواصل
يزهو شعور السعادة بالعطاء عندما يجد تفاعلًا إيجابيًّا أو تقديرًا حقيقيًّا؛ فالعلاقات كالشارع ذي الاتجاهين، لا تكتمل إلّا بالأخذ والعطاء معًا

4. التنوّع العاطفي
لا يمكن فصل مشاعر الإنسان عن طيف واسع من الأحاسيس؛ العيش الدائم تحت مظلة “الإيجابية القصوى” قد يخلق ضغطًا غير منظور. التنوع يُضفي توازنًا أفضل ويقي من الاحتراق

 

4. متى تصبح المشاعر “مستهلكة” أو مرهقة؟

1. الإفراط في التحمّس
.قد نحاول عيش مشاعر إيجابية قصوى وبشكل مستمر، ما يرهق القلب والنفس ويستنزفهما. كمن يحاول أن يبقى في حالة سعادة مطلقة دون راحة أو انقطاع

2. تضارب بين الداخل والخارج
الابتسام الدائم وإظهار التفاؤل فيما يعتمل داخلك حزن أو تعب، يخلق صراعًا داخليًّا وإجهادًا يفوق احتمالك

3.انعدام المرومة والمردود
عندما لا نجد استقبالًا أو تفاعلًا يكفي لتجديد طاقتنا، قد يتفاقم الشعور بعدم الجدوى والإنهاك

4. الضغط الاجتماعي أو المهني
في بعض البيئات، يفرض علينا "الابتسام الدائم" بوصفه جزءًا من واجباتنا، ما يرفع من “العمل العاطفي” (Emotional Labor) ويجرّنا نحو الإنهاك

 

5. لماذا قد يتوقف بعض الناس عن التعبير بالسعادة والمساعدة؟

رغم نُبل الرغبة في رسم البهجة لدى الآخرين، إلا أنّ البعض قد يشعرون يومًا ما بأنّ ينبوعهم العاطفيّ قد نضب. ومن أهم الأسباب

1. الإرهاق أو الإنهاك العاطفي
يتوقّف الشخص لأنّه لم يعد قادرًا على منح المزيد؛ فقد استنفد كل طاقته دون تعويض

2. الشعور بعدم التقدير
إذا كان العطاء متواصلًا دون مقابل من الاحترام أو الاعتراف، يتآكل الحافز وتطفو مشاعر الملل أو حتى المرارة

 تغيّر الظروف أو الاحتياجات الشخصيّة
قد تطرأ ظروف صحيّة أو نفسيّة أو اجتماعيّة تستوجب التركيز على الذات، فينخفض “معدل العطاء” طبيعيًّا

4. عدم معالجة المشاعر السلبية
المشاعر السلبية المتراكمة أشبه بالغبار المتكدّس في ركنٍ مظلم؛ إذا لم نمسحها وننظّمها، تتحول إلى كتلةٍ ثقيلةٍ تعيق حركتنا وتُطفئ جذوة الحماسة فينا

 

6. كيف نحافظ على طاقة المشاعر الإيجابيّة بشكلٍ صحي؟

يشير علم النفس الإيجابي إلى أنّ مراعاة الذات لا يقلّ أهميّة عن مساعدة الآخرين؛ فكما يحتاج البحر إلى مدٍّ وجزر، نحتاج نحن إلى لحظات سكون داخليّ:

1. الاعتراف بالمشاعر كلّها
لا يُمكن قمع الحزن أو الغضب أو التعب، بل يجب تقبّلها كجزءٍ طبيعيٍّ من التجربة الإنسانيّة.

2. تطبيق مبدأ “تغذية النفس أولًا”
العناية بالذات (Self-Care) عنصر أساسي: تخصيص وقت للراحة، للأنشطة الممتعة، وطلب دعم نفسي عند الحاجة.

 وتدعم نتائج بحثٍ نشرته مجلة "Journal of Positive Psychology" عام 2020 هذه الفكرة، إذ تبيّن أنّ فترات الاستراحة الذهنية والتأمل المنتظم تخفّض التوتر النفسي بمعدّلٍ يتراوح بين 25% و30%، ما يساعد في الحفاظ على التوازن العاطفي.

3. الموازنة بين العطاء والأخذ
لا تجعل نفسك في وضع “المانح الدائم”؛ ابحث عن دوائر علاقات صحيّة يجد فيها عطاؤك صدى وتقديرًا.

4. وضع أهداف واقعيّة
لا تتوقّع أن يستجيب الجميع لطاقتك الإيجابيّة بالمستوى نفسه، واحذر من إحباط ينتج عن تلك التوقّعات العالية.

5. البحث عن المعنى
وفقًا لعلم النفس الإيجابي، المشاعر الإيجابية تصبح أكثر استدامة حين تجد لها معنى حقيقيًّا، وعندما تتناغم مع قيمك وأهدافك البعيدة.

 وتؤكّد دراسات الدكتور مارتن سليغمان (Martin Seligman) حول نموذج "PERMA" أنّ تخصيص مساحة للعناية بالذات والاندماج في أنشطة ذات مغزى يعزّز ركائز السعادة ويُطيل أمد الدافعية نحو الحياة.

 

 الخلاصة
إنّ المشاعر الإيجابيّة مثل الحبّ والعطاء والكلام الطيّب هي أنهارٌ جميلة تروي القلوب وتضيء الدروب، لكنّها قد تتحوّل إلى عبء حين نمارسها بلا حدود أو من دون تناغم مع حاجاتنا النفسيّة وحدودنا الواقعيّة. ويؤكّد علم النفس الإيجابي أنّ السعادة ليست مجرد ابتسامة دائمة، بل شعورٌ متوازنٌ بالرضا والسلام الداخلي الناجم عن إدراك حقيقتنا وتعاطينا الواعي مع مواقف الحياة

حين تكون هذه المشاعر عفويّة ومتوازنة ونابعة من دافعٍ داخلي، تصبح مشبعة ومثمرة وتساعدنا على المضيّ في الحياة بأملٍ وبهجة. أمّا إذا تحوّلت إلى واجبٍ مفروضٍ أو قناع دائمٍ يغفل عن احتياجاتنا الشخصيّة، فإنّها تستنزفنا بدل أن ترفعنا

لذا، لا تبتئس إن شعرت أحيانًا بالعجز عن التعبير أو عن تقديم المزيد؛ فذلك مؤشّرٌ إلى حاجتك لإعادة شحن طاقتك والتصالح مع ذاتك. امنح نفسك مهلةً للهدوء والتركيز على عنايتك الخاصّة، وستجد أنّ عودتك للتعبير الإيجابي تزداد صدقًا واستمراريّة، تمامًا كما يعود النهر إلى الجريان حينما تنساب إليه مياه الجدول من جديد

Inline Modal

يرجي تسجيل الدخول

نسيت كلمة المرور؟

انشأ حساب جديد

الرجاء إدخال رقم هاتفك المسجل

Show notification