العلاقة ليست غرفة تحقيق، بل مساحة للنمو المشترك

العلاقة ليست غرفة تحقيق، بل مساحة للنمو المشترك
بواسطة: هبة شركس

العلاقة ليست غرفة تحقيق، بل مساحة للنمو المشترك.

هل علاقتكما قائمة على النقد أم الطلب؟

تخيل أنك تعيش تحت مجهر دقيق، حيث تُفحص كل حركة منك ، ويُسجل كل تأخير، وتُراجع كل قراراتك كما لو كنت طالبًا في اختبار مستمر. هذا هو الشعور الذي يتولد عندما يكون التواصل في العلاقة الزوجية مبنيًا على النقد الدائم بدلًا من الطلب الواضح.

 

كم مرة سمعت أو قلت عبارات مثل:

"ليه متأخر؟"

"ليه ما رتّبت الحاجات؟"

"ليه بتتصرف كده؟"

قد تبدو هذه الأسئلة في ظاهرها طلبًا للفهم، لكنها في الواقع تشبه مصباح الاستجواب المسلط على وجه شخص يشعلر أنه في قفص الاتهام.

 

حين يصبح النقد أسلوب حياة

كانت "آية" تعيش هذا السيناريو يوميًا ، حيث كانت تسير حياتها تحت سيل من الأسئلة الاستنكارية ، التي لا تشير إلا إلى النقص ولا تقدر الجهد المبذول . في البداية ، كانت تشعر بعدم الكفاية ، بالقهر، تبكي أحيانًا وتطاردها أحلام تعبّر عن مدى تأثيرها النفسي بالموقف. لم يكن النقد مجرد كلمات، بل كان يزرع داخلها إحساسًا مستمرًا بالفشل.

 

إلى أن حدث موقف غيّر نظرتها. ذات يوم ، سمعت زوجها يتحدث مع أحد إخوته ، وكان يسأله بنفس الطريقة التي يسألها بها:

"لماذا لم تفعل؟ لماذا تأخرت؟ لماذا لم تهتم بهذا؟"

رد عليه أخوه ببساطة وضاحكًا: "لأنني مستهتر"!

فضحك الزوج وقال: "لا تقل على نفسك هكذا!" وتبدد القلق فورًا بينهما.

 

وقفت آية لحظة، وكأنها رأت المشهد من زاوية أخرى . أدركت أن النقد لم يكن شخصيًا ، بل كان جزءًا من أسلوب زوجها في التعامل ، وأن عينه لا تقع إلا على العيوب ، ربما لأنه لم يتعلم غير ذلك. ومنذ تلك اللحظة ، قررت أن تواجه النقد بالفكاهة بدلًا من الألم ، فحين سألها يومًا "لماذا لم ترتبي الغرفة؟"، أجابته مازحة : "لأنني قررت التمرد اليوم!" فضحكا معًا، وتحول الموقف من استجواب إلى مزحة خفيفة.

مع الوقت، أخبرته أن هذا الأسلوب يزعجها، وأنه يجعلها تشعر بأنها في امتحان دائم . لم يتغير تمامًا ، لكن الأمر أصبح أخف وطأة ، وهي نفسها صارت أكثر قدرة على التفريق بين النقد الشخصي والنقد العابر.

 

لماذا نميل لهذا النوع من الأسئلة؟

حين يكون الإنسان قلقًا، يحاول التحكم بالمواقف

مثل راكب قارب صغير وسط بحر مضطرب ، كل موجة جديدة تدفعه لإلقاء اللوم على الريح ، رغم أن الحل في تعديل اتجاه الشراع.

حين يكون الشخص مثقلًا بالمسؤوليات ، يصبح كل شيء عبئًا إضافيًا

مثل شخص يحمل سلة ممتلئة عن آخرها ، وكل فعل غير متوقع هو ثمرة زائدة على الحِمل ، تجعله يشعر أنه سيفقد توازنه

حين ينشأ الإنسان في بيئة تعتمد على النقد، يصبح الأمر تلقائيًا

كمن ورث مرآة مشوهة ، تعكس فقط ما هو ناقص ، فلا يرى الجمال في الصورة كاملة

حين يخشى الفشل أو الإهمال ، يصبح النقد درعًا يحميه

مثل جندي في معركة غير مرئية ، يسبق الهجوم حتى لا يُفاجَأ بالهزيمة

حين لا يعرف الشخص طرقًا أخرى للتواصل ، يختار أقصر الطرق ، وهو السؤال اللاذع

كمن يحاول إشعال شمعة بالنفخ عليها بدلًا من استخدام عود ثقاب

 

كيف يشعر الطرف الآخر عندما يواجه هذا الأسلوب؟

الإحساس بالمراقبة الدائمة

كأنك تعيش في منزل زجاجي ، كل حركة تُرصد ، وكل تأخير يُسجل ، ولا مجال للراحة أو العفوية

الشعور بالدفاع الدائم

كأنك في حلبة ملاكمة غير متكافئة ، تتلقى ضربات متتالية دون وقت للتنفس أو تفسير موقفك

الإحباط والتباعد العاطفي

مثل زهرة تُسقى بمياه مالحة ، كل كلمة ناقدة تزيدها جفافًا بدلًا من أن تمنحها الحياة

الرغبة في العزلة

عندما تكون كل محاولة للتواصل عبارة عن استجواب ، يصبح الصمت هو الملجأ الأكثر أمانًا

 

بدلًا من النقد… تعلّم أن تطلب!

بدلًا من "ليه متأخر؟"

"قلقت عليك ، ياريت تخبرني لو حتتأخر المرة الجاية"

بدلًا من "ليه ما رتبت الغرفة؟"

"هكون ممتنة لو رتبت الغرفة قبل ما ننام عشان نحس بالراحة سوا"

بدلًا من "ليه ما ساعدتني؟"

"أنا محتاجة دعمك في كذا ، ممكن تتكفل به؟"

بدلًا من "ليه عملت كده؟"

"أنا حابب أفهم وجهة نظرك ، ممكن تحكي لي أكتر؟"

 

كيف نكسر هذا النمط ونحوّل علاقتنا إلى مساحة أمان؟

كن واضحًا فيما تريد، بدلًا من تسليط الضوء على ما لم يحدث

العلاقة ليست غرفة تحقيق، بل مساحة للنمو المشترك

استبدل النقد بالتقدير

بدلًا من التركيز على ما لم يُنفّذ ، ركّز على ما تم فعله بالفعل.

 لا تفترض أن الطرف الآخر يعلم ما تحتاجه دون أن تخبره بوضوح

الحديث المباشر والواضح هو مفتاح التفاهم ، فلا تتوقع من شريكك قراءة أفكارك

تذكر أن كل كلمة تحمل وزنًا نفسيًا ، إما أن تبني بها جسرًا أو تهدم بها حائطًا

اختر كلماتك كما تختار حجارة الأساس لمنزل مستقر

 

عندما يتحول النقد إلى طلب ، يصبح التواصل جسرًا لا سجنًا ، ويصبح الحب مساحة آمنة بدلًا من ساحة معركة. الكلمات ليست مجرد حروف، بل هي الطقس الذي يحدد مناخ العلاقة… فإما أن تكون دافئة كالشمس، أو جافة كالرياح القاسية.

Inline Modal

يرجي تسجيل الدخول

نسيت كلمة المرور؟

انشأ حساب جديد

الرجاء إدخال رقم هاتفك المسجل

Show notification