على خطّ الزمن: مراحل بناء تصوّرنا عن الله وتصحيحه

على خطّ الزمن: مراحل بناء تصوّرنا عن الله وتصحيحه
بواسطة: هبة شركس

نمو صورة الله في قلوبنا
"على خطّ الزمن: مراحل بناء تصوّرنا عن الله وتصحيحه"


على امتداد خطّ الزمن في أعماق النفس الإنسانية ، تتشكّل صورة الله مثل ضوء الفجر الذي يبدأ بخيوط واهنة ، ثمّ يتجلّى كاملًا مع شمس النهار . إذا تأمّلنا هذه العملية عن قُرب ، سنجدها رحلةً متكاملةً من التأثّر بالعلاقات الأولى في الطفولة ، مرورًا بما تمنحه لنا البيئة الدينيّة والتربويّة ، وصولًا إلى اللحظة التي ندرك فيها أنّ لنا مسؤوليّةً كبرى في تنقية هذه الصورة وتحقيق التوحيد الخالص لأسماء الله وصفاته.

 

1. بدء التكوين: خيوط الحضور الأوّل
حين يولد الطفل، يكون والداه أشبه بمجرّتين تدور حولهما حياته كلّها . يرى فيهما سلطةً تشبه سلطة الكون ، وحمايةً تفيض بالحنان والأمان . هنا تبدأ بواكير العلاقة مع الله في مهدٍ إنسانيّ ، حيث يستخلص الطفل ــ دون وعي ــ مفاهيم السلطة والعقاب والاحتواء من تصرّفات الأم والأب وكلامهما.
السلطة: قد يرى الطفل في صرامة أبيه أو في نبرته الحازمة لمحةً من الهيبة الإلهية.
العقاب: إذا تأخّر عن أداء واجبٍ أو اقتراف خطأ ما ، فإنّ ردّة فعل الوالدين تُلقّن الطفل درسًا عن “العاقبة” التي ينتظره إنْ خرج عن النظام.
الاحتواء والأمان: حضن الأم الدافئ هو حبل النجاة حين يشعر بالخوف والضياع . من ذلك الحضن تنشأ لديه صورة الله بوصفه الملجأ الأخير عندما تعصف به عواصف الحياة.
في هذا المشهد الأوّل تتمازج مشاعر الطمأنينة بالخشية، فيرتسم في وجدان الطفل تخيّلٌ للإله يشبه صورة مُكبَّرة لأبٍ حازمٍ أو أمٍّ رؤوم. هذه الحالة تُسمّى عملية الانتقال؛ إذ تنتقل المشاعر الأوّلية تجاه الوالدين لتُصبَغ لاحقًا على مفهوم الله.

 

2. تفتّح المدارك: أثر المؤسّسات الدينيّة والاجتماعيّة
مع تقدّم الطفل في العمر، يبدأ بدخول مدارس الحياة خارج البيت : المساجد ، المؤسّسات الدينية ، المراكز التربويّة . في هذه الأماكن ، يتلقّى الطفل تعاليم الدين ويكتسب معارف جديدة عن خالقه . وهنا تتشكّل صورة الله بوجهٍ أكثر وعيًا، لكنها تخضع أيضًا لما يُسمّى الإدراك الانتقائي:
الطفل أو المراهق عادةً ما يلتقط المعلومة التي تنسجم مع مشاعره وتجربته السابقة . إن كانت تجربته العاطفيّة الأولى دافئةً وإيجابيّة ، فغالبًا سيبحث في النصوص الدينيّة عن تجلّيات الرحمة والحبّ الإلهي . أمّا إن كانت تلك التجربة قاسيةً أو حادّة، فقد يلتقط جانب العقاب والانتقام فيصير الخوف المهيمن على علاقته بالله.
بعض المربّين أو المؤسّسات قد يركّزون على جانب واحد ــ الترهيب أو الترغيب ــ ما قد يُعمّق التحيّز لدى الطفل ، ويزيد من تشوّش الصورة لديه إن لم يجد توازنًا يخاطب فطرته السويّة.

 

3. ظلال النفس: شعور الاستحقاق والسلطة والاستدخال (Introjection)
في مرحلة المراهقة والشباب ، تتسع مساحة الوعي بالنفس وبالعالم ، وتزداد حِدّة الأسئلة حول الله والوجود والقيم . يتقاطع مع ذلك شعور الاستحقاق بالسلطة ؛ إذ قد يشعر الشاب أو المراهق أنّ له حقًّا في فرض آرائه أو أنّ بإمكانه التحكّم بالآخرين، مستمدًّا هذا جزئيًّا من صورته الأولى عن سلطة والديه ، وجزئيًّا من ميل النفس للسيطرة في بعض الأحيان.
هنا تظهر عمليّة نفسيّة تُسمّى الاستدخال (Introjection)، والتي يتمّ فيها “ابتلاع” قيم أو معتقدات أو تصوّرات دون تمحيص ، فتختلط صورة الله بصورةٍ عالقةٍ في ذواتنا عن والدٍ مُبالغٍ في التشديد أو مربٍّ متساهلٍ إلى حدّ التسيّب . وما لم يراجع الإنسان أفكاره ويزنها بالعقل والمصادر الصحيحة ، سيظلّ يرسم ملامح إلهيّة مبنيّة على “ظلال الماضي” بدلًا من حقيقتها المُشرقة في الوحي والعقل الناضج.

 

4. الفطرة السويّة: النبع الأوّل للعلاقة مع الله
مع تعدّد المؤثّرات وتراكم الانطباعات، قد ننسى أنّ فينا فطرةً أصيلةً تسعى للبحث عن ربّها ، وتتشوّف إلى ملاذٍ آمنٍ مطمئن ؛ فالقلب بطبيعته يتوق إلى الكمال والخلود والرحمة المطلقة التي لا نجدها عند بشر . في لحظاتٍ فارقة من حياتنا ــ ربما أمام مشهدٍ كونيٍّ عظيم أو مع فجيعةٍ تُذكّرنا بضعفنا ــ تنهض هذه الفطرة فجأةً ، وتسأل: من وراء هذا كلّه ؟ من يمنح الوجود اتّساقه ؟ ومن سيحتويني حين تسقط أقنعة العالم ؟
هذه الفطرة هي النور الذي يدلّنا على الله عندما يَعمى بصرك أو تَلتبِس عليك المفاهيم ، وهي أساس العودة الصادقة حين تغرق في جدالاتٍ فلسفية أو صورٍ مشوَّهة.

 

5. المسؤولية الكبرى: تنقية الصورة وتحقيق التوحيد
ما إن نصل إلى مرحلة الرشد الفكري والعاطفي، حتّى ندرك أنّ لدينا رسالةً نفسيّةً وروحيّةً مهمّة : تحرير تصوّرنا عن الله من قيود الماضي وأوهام الحاضر. هذه العملية تشبه انجلاء الضباب عن مرآة ، فإذا بنا نشاهد الحقيقة في صفائها.
الوعي بالأثر الماضي: الاعتراف بأنّ خبرات الطفولة والتنشئة والأنماط الاجتماعية أثّرت في تكوين صورة الله لدينا.
التعلّم الصحيح: العودة إلى مصادر الشريعة النقيّة (القرآن والسنّة) بتدبُّرٍ وتساؤلٍ ناضج ، وطلب العلم على أيدي مَن يتقنون فهم العقيدة.
المراجعة المستمرّة: التخلّص من أيّة أفكارٍ مبالغٍ فيها أو تشوّهاتٍ عالقة ؛ فالذي يطغى في صورة الله جانب العقاب وحده يفقد حلاوة الرحمة ، والذي يغرق في جانب الرحمة وحده يغفل عن هيبة الله وعدله وحكمته.
عيش التوحيد في الواقع: التوحيد الحقيقي لا يتجلّى فقط في التصوّرات الذهنية ، بل في سلوكنا وأخلاقنا ؛ فالإيمان بأنّ الله رقيبٌ علّام يجعلنا أكثر أمانةً واستقامة ، والإيمان بأنّه رحيمٌ كريم يجعلنا أكثر عطفًا ورجاءً.

 

خاتمة
منذ تلك اللحظة التي التقطنا فيها أولى أنفاسنا في حضن الأمّ وحتى اليوم الذي نبلغ فيه أوج نضجنا الفكري، يتدفّق في أرواحنا نهرٌ من المشاعر والتجارب والمعارف ، يشكّل مجراه صورة الله في أعماقنا . قد يتعكّر هذا النهر بملوّثات الماضي ، وقد يجفّ بفعل القسوة ، لكنّ فطرتنا أقدر على تطهيره إذا وعينا مسؤوليتنا والتزمنا قِيَم التوحيد . إنّ تحقيق توحيد الأسماء والصفات أشبه بصقل جوهرةٍ بين أيدينا ؛ كلّما أزلنا عنها غبار التربية الخاطئة والتصوّرات المشوَّشة ، ازداد لمعانها ، فأشرقت بنا نحو معرفة الله حقّ المعرفة، وعشنا بهدي ذلك النور.

Inline Modal

يرجي تسجيل الدخول

نسيت كلمة المرور؟

انشأ حساب جديد

الرجاء إدخال رقم هاتفك المسجل

Show notification