هناك يقف الشعور بالذنب

هناك يقف الشعور بالذنب
بواسطة: هبة شركس

الشعور بالذنب: بين قيدٍ يشلّ الخطى ونورٍ يرشد إلى الصواب

ما بين ضوءٍ كاشف وظلامٍ كالح، بين يدٍ تمتدّ لترمم ما كُسر وسلاسل تُقيّد الروح، هناك يقف الشعور بالذنب، متأرجحًا بين أن يكون بوابةً للتوبة أو سجنًا لا فكاك منه. إنه ذلك الصوت الخافت الذي يهمس في دواخلنا حين نخطئ، وقد يكون صوتًا حنونًا يعيدنا إلى جادة الصواب، أو سياطًا قاسية تلهب وجداننا بلا رحمة.

الشعور بالذنب: مارد الخير أم سجان الروح؟

ليس الشعور بالذنب في حد ذاته خيرًا أو شرًا، بل هو طاقة حيادية، تتحوّل حسب كيفية استقبالنا لها وتفاعلنا معها. فهو كالنار، إن أحسنّا استخدامها أضاءت طريقنا، وإن تركناها مشتعلة بلا سيطرة، أحرقتنا من الداخل.

في لحظات الوعي العميق، يكون الشعور بالذنب الضمير اليقظ الذي يمنحنا الشجاعة الأدبية لنعترف بأخطائنا، ويدفعنا إلى التصحيح، والمصالحة، والتطهير الداخلي. حينها، لا يكون إحساسًا يثقل القلب، بل قوة تدفعه إلى النور، حيث نصلح ما فسد، ونطلب العفو والمغفرة، ونسير بخطوات ثابتة نحو إنسانيتنا المكتملة.

لكن ماذا لو تحول هذا الشعور إلى سياطٍ تجلد الذات بلا انقطاع؟ هنا يصبح السجن الذي نحكم به على أنفسنا دون محاكمة عادلة. حين يفقد الذنب وظيفته الإصلاحية، يتحول إلى ظلٍ ثقيلٍ يسحبنا إلى العجز والعار، ويجعلنا نرى أنفسنا لا كأشخاص أخطأوا، بل كخطأٍ متجسدٍ في صورة إنسان.

الذنب الذي يوقظ الضمير… والذنب الذي يُزرع قسرًا

ليس كل شعورٍ بالذنب مولودًا من رحم الضمير الحي؛ هناك ذنوبٌ تُزرع فينا، لا لنستفيق، بل لننحني. أحيانًا، يُستخدم الذنب كأداة ابتزاز، حيث يزرعه الآخرون في نفوسنا ليجعلونا أسرى لنواياهم، أو سجناء لمعايير لم نخترها. وقد يكون دافع هذا الغرس نيةً حسنة، كمن يحاول إيقاظ الضمير بأسلوب قاسٍ، أو نية خبيثة، كمن يستغل الشعور بالذنب لترويض النفس والسيطرة عليها.

ولكن، أليس الشعور بالذنب هو البوابة التي عبر منها كثيرون إلى التوبة، وإلى تصحيح المسار؟ بلى، فحين يُصاحب هذا الشعور بصيرةٌ ووعي، يصبح نافذة تطل على العدالة، يدفعنا إلى ردّ المظالم، والاعتذار، والاعتراف، والمغفرة. إنه التوازن الدقيق بين جلد الذات والتسامح معها، بين الشعور بالمسؤولية وعدم الاستسلام لعبء الندم القاتل.

 

بين العذاب والخلاص: كيف نحول الذنب إلى قوة دافعة؟

إذا كان الشعور بالذنب سيفًا ذا حدين، فعلينا أن نُمسك به بحكمة، لا لنجرح أنفسنا، بل لنقطع به طريقًا جديدًا نحو الصواب. يكمن السرّ في التوازن:
تمييز الذنب الحقيقي من الذنب المزروع: هل نشعر بالذنب لأننا خالفنا ضميرنا، أم لأن أحدهم أقنعنا بأننا مخطئون؟
تحويل الذنب إلى فعل إيجابي: بدلاً من الاستسلام للوم الذاتي، يمكننا توجيه الشعور إلى الإصلاح والتوبة.
التعاطف مع الذات: لأننا بشر، والخطأ جزء من تركيبتنا، لكن التراجع والتصحيح هو ما يصنع الفرق.
وضع حدود أمام الابتزاز العاطفي: إذا كان الشعور بالذنب يُستخدم للسيطرة علينا، فمن الضروري التحرر منه وإعادة تعريف مسؤولياتنا.

 

 حين يكون الذنب فخرًا

لا يكون الشعور بالذنب نقمةً إلا حين نتركه يُعطّلنا، لكنه يصبح نعمة حين يُعلّمنا. حين نملك الشجاعة لننظر في أعين أخطائنا دون وجل، ونُصلح ما يمكن إصلاحه، ونتحرر مما لا يمكن تغييره، عندها فقط يصبح الشعور بالذنب مصدر فخر، لا وصمة عار. ففي كل ندمٍ صادقٍ فرصة جديدة للحياة، وفي كل اعترافٍ مخلصٍ بابٌ مشرع نحو السلام الداخلي.

من ورشة نقطة نور

Inline Modal

يرجي تسجيل الدخول

نسيت كلمة المرور؟

انشأ حساب جديد

الرجاء إدخال رقم هاتفك المسجل

Show notification