متى يكون الشعور بالذنب للأبناء مفيدًا ومتى يضرهم؟

متى يكون الشعور بالذنب للأبناء مفيدًا ومتى يضرهم؟
بواسطة: هبة شركس

 

 في التربية قد يلجأ بعض الآباء والأمهات إلى إيقاظ ضمير الأبناء أو تحفيز الشعور بالذنب لديهم ، بهدف تعزيز الانضباط والرقابة الذاتية . ومع أنّ هذا الأسلوب قد يحقق أحيانًا نتائج سريعة ، إلا أنّ له جوانب سلبية يمكن أن تؤثر على النمو العاطفي والمعرفي للأبناء ، خاصةً أنّ المنطقة المسؤولة عن الضمير والبصيرة في الدماغ تصل إلى درجة جيدة من النضج العصبي في مرحلة ما بين 18 و21 سنة تقريبًا . فيما يلي توضيح للآثار السلبية والإيجابية ومناقشة للحدود الآمنة والأفضل في التعامل مع الأبناء.

وفقًا لبعض الباحثين مثل “لورنس كولبرغ” (Kohlberg)، فإن النمو الأخلاقي للفرد يمر بمراحل متدرجة ؛ بدءًا من التركيز على الخوف من العقاب ، ثم على مبدأ المكافأة، ثم الوصول إلى الأخلاق القائمة على المبادئ . وفي مرحلة المراهقة المتأخرة وما بعدها ، يبدأ الشاب في تبنّي مبادئ أخلاقية ناضجة ، تتوافق مع قيمه الداخلية وضميره الحي . لذلك، فإن فرض الشعور بالذنب على أبناء لم يصلوا بعد لهذه المراحل بصورة صحية قد يُشوّش تطوّرهم الأخلاقي الطبيعي.


الآثار السلبية لإشعار الأبناء بالذنب

1. ترسيخ جلد الذات

الاعتماد المفرط على إثارة الشعور بالذنب قد يدفع الأبناء إلى توبيخ أنفسهم بقسوة عند كل خطأ ، فيصبح اللوم الذاتي أسلوبًا دائمًا للتعامل مع المشكلات.

قد ينتج عنه ضعف في تقدير الذات وصعوبة في قبول الأخطاء باعتبارها جزءًا طبيعيًا من عملية التعلّم.

2. تنمية الخجل والعار بدلًا من المسؤولية

هناك فارق بين الشعور بالذنب (Guilt: “لقد أخطأت”) والشعور بالعار (Shame: “أنا شخص سيّئ”). استخدام الذنب كسلاح تربوي قد ينقلب إلى شعور بالعار إذا استهدف سلوك الابن وشخصيته بدلًا من التركيز على الخطأ نفسه.

الشعور بالعار يؤثر سلبًا على النمو النفسي ويحدُّ من المرونة العاطفية ، فيصعب على الابن تقبّل ذاته أو إصلاح الخطأ.

3. خلق فجوة تواصل

عندما يشعر الابن أنه دائمًا “مذنِب” أو يخاف أن يُحمَّل المسؤولية دون فرصة للتبرير أو التصحيح ، فقد يميل إلى كتمان الأمور عن أهله.

يؤدي ذلك إلى ضعف الثقة والتواصل بين الأهل والابن ، والاعتماد على الكذب أو إخفاء الأخطاء بدلًا من الاعتراف بها.

4. المقاومة السلبية

قد يرفض بعض الأبناء (خصوصًا المراهقين) هذا الأسلوب ، فيتشكل لديهم نوع من “المقاومة السلبية”؛ حيث يفعلون الخطأ عن قصد أو يستمرون فيه ردًا على محاولة الأهل ترسيخ الذنب فيهم.

ينمو لديهم شعور بأنهم غير مفهومين ، ما يفسد العلاقة التربوية والتواصل الفعّال.

> مثال واقعي: تخيّل والدًا يقول لابنه المراهق باستمرار: “أنا متأكد أنك ستفشل” أو “دائمًا تُخيّب ظنّي”. يشعر الابن بأنه مصدر خيبات أمل متواصلة ، فيلجأ إما إلى الانعزال وإخفاء أخطائه ، أو التعمد في تكرارها كرد فعل دفاعي.

 

هل هناك فوائد لإيقاظ الشعور بالذنب؟

> بالرغم من السلبيات المحتملة ، هناك حدود ضيّقة قد يُستخدم فيها “الذنب” بشكلٍ معتدل وواعٍ:

1. تنبيه الأبناء لقيم الصواب والخطأ

حين يكون التركيز على الخطأ الفعلي ، وتوضيح أضراره أو تأثيره على الآخرين ، يحدث نوع من الوعي الأخلاقي لدى الأبناء ويدركون أهمية السلوك الحسن.

هذا يعزّز لديهم ضميرًا يقظًا إذا كان مرتبطًا بالحوار والتفهّم لا اللوم القاسي.

2. التعلّم من المسؤولية

إذا استُخدم شعور الذنب بشكلٍ حكيم ، بحيث يشير إلى أن “هذا السلوك خاطئ ويجب إصلاحه”، يمكن أن ينمّي في الابن حسًّا مسؤولًا تجاه أفعاله.

يُصبح الذنب مؤشرًا داخليًا يساعده على مراجعة ذاته لاحقًا ، شريطة ألا يتحوّل إلى وصم أو عار.

3. دافع للإصلاح

الشعور بالذنب المعتدل (الذي يركّز على الخطأ ، وليس على الشخص) قد يدفع الابن للتصحيح أو الاعتذار أو تغيير السلوك مستقبلًا ، إذا كانت البيئة الأسرية متسامحة وتقبَل الاعتذار.

الخلاصة : الفائدة مرتبطة باعتدال الأسلوب ، وبوجود مناخٍ تربوي يسمح بالتصحيح لا التجريح.



هل هذا الأسلوب يعزز الرقابة الذاتية والشعور بالمسؤولية؟

قد يعززها في حالات الاستخدام المتوازن : حين يُقدّم المربي ملاحظته حول الخطأ بنبرة تفهّم (دون تقليل من قيمة الابن)، ويُشرك الابن في تحمُّل نتيجة الخطأ والتفكير في حلول.

لكنه لن يعزز الرقابة الذاتية حين يكون الأسلوب تلاعبًا عاطفيًا أو لومًا دائمًا يصاحبه تخويف وتهديد . في هذه الحالة قد يتعلم الابن إخفاء أخطائه بدلًا من تطوير ضمير حقيقي.


مثال:

ارتكب “عُمر” (14 سنة) خطأ بتخريب جهاز إلكتروني دون قصد . يمكن للمربي أن يقول:

1. الأسلوب السلبي: “ أنت دائمًا مهمل ولا تتحمل المسؤولية ! كم مرة قلت لك ؟ أنت لا تصلح لشيء!”

هنا سيشعر عمر بالخزي والعار، وقد ينكر فعلته أو يكذب بشأن التفاصيل حتى لا يتعرض للتوبيخ القاسي.

 

2. الأسلوب الإيجابي: “هذا الجهاز مهم ، وكيف سنصلحه الآن ؟ ماذا تقترح أن تفعل لتتعلم من هذا الخطأ ؟ هل تريد المساهمة في دفع تكاليف إصلاحه؟”

في هذه الحالة ، يدرك عمر أنّ ما حدث خطأ حقيقي ، لكن عليه محاولة إصلاحه أو تحمّل النتيجة . وهنا يُولد الإحساس بالمسؤولية.

 

 البديل أو الأساليب الأفضل؟

1. الحوار الفعّال

خصّص وقتًا للنقاش بهدوء مع الأبناء حول أخطائهم، واطلب منهم تفسير دوافعهم وسلوكهم.

اسمح لهم باقتراح حلول أو بدائل سلوكية سليمة. هذا يزرع فيهم قدرة التفكير النقدي واتخاذ القرار.

2. التشجيع على تحمّل النتائج

بدلًا من إثارة الذنب ، شجّع الأبناء على تحمل نتائج أفعالهم الواقعية (مثل إصلاح الضرر، الاعتذار).

يعزز هذا مفهوم المسؤولية من دون لصق صفة “شخص سيئ” بالابن.

3. النموذج والقدوة

الأطفال والمراهقون ينظرون إلى تصرفات الأهل أكثر مما يستمعون إلى نصائحهم . عندما يعترف الأب أو الأم بخطأ ما أمام الأبناء ، ويبينون أنهم يتحملون المسؤولية، ينمو عند الأبناء وعي داخلي مشابه.

4. تعزيز الثقة والاحتواء

اجعل الابن يشعر بأنه مقبول حتى لو أخطأ ، وأن بإمكانه العودة للاعتراف بخطئه، ومع ذلك سيجد مساعدة لا إدانة.

هذا الاحتواء يقلل الخوف ويعزز الرقابة الذاتية ؛ لأن الدافع حينئذٍ هو الضمير الحقيقي لا الخشية من العقاب.

5. التوجيه البنّاء

استخدم أساليب كالسؤال الاسترشادي : “كيف يمكن تصحيح الوضع؟” أو “ما رأيك في تأثير ما حدث على الطرف الآخر؟”

يوجه ذلك الطفل نحو التفكير في عواقب أفعاله ونمو التعاطف، بدلًا من إشعاره بأنه سيّئ بذاته.

 

ما الحدود الآمنة للشعور بالذنب؟

التركيز على الفعل وليس على الذات: يجب أن يشعر الطفل أن ما فعله خاطئ، لكن لا يعني هذا أنه “شخص سيّئ”.

اعتدال التعبير: الشعور بالذنب الصحي يعني إدراك الخطأ والسعي لتصحيحه ، لا الغرق في جلد الذات أو الاحتقار.

إتاحة الفرصة للتعلّم : من المهم أن يرى الطفل إمكانية للإصلاح والبدء من جديد.

الحفاظ على احترام الطفل لنفسه : حتى إذا كان الهدف إيقاظ الضمير، يجب دعم الطفل نفسيًا وتعزيز قيمته الذاتية.

 

 تدريب الأبناء على التعامل مع الشعور بالذنب ودوره في التربية الدينية

إن تدريب الأبناء على التعرّف إلى هذا الشعور والتعامل معه بشكلٍ صحي يعزز إدراكهم لذواتهم وحسن تصرّفهم مع أخطائهم.

قد نتساءل : كيف نعرف أن الابن تعامل جيدًا مع الشعور بالذنب؟

إن تجاوز هذا الشعور وتعلّم منه ، فطوّر رقابته الذاتية ، وتحمل مسؤولية أخطائه ، وعمل على تصحيحها ، ثم شعر بالفخر والاعتزاز والشجاعة الأخلاقية.

أما إذا ظل محبوسًا مقيدًا في دائرة الذنب ، وشعر بالعار ووصم ذاته على أنه “شخص سيّئ”، واستسلم لهذا الإحساس ، فهنا يكون الأمر قد أخذ منحًى سلبيًا ومؤذيًا لنموه النفسي.

 في التربية الدينية ، قد يُستخدم الشعور بالذنب لتنبيه الأبناء إلى أخطاء أخلاقية أو دينية ، لكن على الأهل مراعاة الاعتدال والحرص على بناء علاقة متوازنة بين قيمة “التوبة” و”تصحيح الخطأ” من جهة، وقيمة “الرحمة” و”قبول الذات” من جهة أخرى. هكذا يشعر الابن أن الخطأ فرصة للتعلم وتقويم السلوك لا للإقصاء أو الإهانة.

الأهل الذين يبالغون في إشعار الأبناء بالذنب قد يفتقرون إلى استخدام أساليب تربوية سليمة ، ويخلقون نمطًا خطيرًا لدى أبنائهم يتمثل في كونهم “تربة خصبة” لمن حولهم كي يُشعروهم بالذنب دائمًا. حين يكبر الأبناء في هذه البيئة، قد يحملون على عاتقهم مسؤوليات ليست من شأنهم، ويقعون فريسة للتلاعب العاطفي والسيطرة من قِبل الآخرين.

 

الخلاصة

إيقاظ شعور الذنب لدى الأبناء قد ينفع أحيانًا في تنبيههم لقيم الصواب والخطأ، شريطة الاعتدال والموضوعية.

الإفراط في إشعارهم بالذنب ينتج عواقب عكسية : كضياع التواصل، أو تكوين شخصية تخاف من الخطأ أكثر من تعلّم الصواب، أو الدخول في جلد ذاتي يضر بثقتهم بأنفسهم على المدى البعيد.

الأساليب البديلة كالاحتواء والحوار وتحمل تبعات الخطأ وتقديم القدوة الحسنة أكثر فعالية في بناء رقابة ذاتية ونضج أخلاقي حقيقي.

الحدود الآمنة للشعور بالذنب تكمن في التركيز على الفعل لا على الذات ، وإعطاء فرصة للإصلاح والتعلم، ومراعاة العمر والنمو العصبي والنفسي للطفل ، مع تقديم الاحترام والدعم له ليكوِّن ضميرًا يقظًا وناضجًا دون أن يفقد تقديره لذاته.

 

Inline Modal

يرجي تسجيل الدخول

نسيت كلمة المرور؟

انشأ حساب جديد

الرجاء إدخال رقم هاتفك المسجل

Show notification