الألم جزء من النمو
"امتلأت بالعطاء، فوجدت ذاتي"
أشعر أنني ألهث وراء سراب ، أسير في طريق طويل بلا نهاية ، حيث تبدو كل خطوة أخطوها وكأنها تذوب في الفراغ . الحياة من حولي باهتة ، الألوان فيها باهتة ، كأنني أعيش في لوحة قديمة فقدت بريقها . أستيقظ كل صباح بنفس الروتين ، أحتسي قهوتي دون أن أشعر بمذاقها، وأخرج إلى العالم وكأنني أرتدي قناعًا يخفي وراءه فراغًا كبيرًا
كنت أعمل في وظيفة مرموقة ، أحقق نجاحات مهنية يراها الجميع، لكنني في داخلي كنت أشعر أنني آلة تؤدي مهامها دون روح . في أحد الأيام ، وأنا جالسة أمام شاشة الحاسوب ، نظرت إلى يديّ المتعبتين وقلت لنفسي : "هل هذه هي الحياة التي أريدها؟" لم أجد إجابة . كانت تلك اللحظة هي الشرارة التي أشعلت بداخلي تساؤلات عميقة
بدأت ألاحظ أنني أفتقد الشغف في كل شيء . هواياتي القديمة لم تعد تسعدني ، واللقاءات الاجتماعية أصبحت مجرّد التزامات أؤديها بلا متعة . قررت أن أبحث عن شيء يكسر هذا الجمود . في أحد الأيام ، قررت أن أعد وجبة طعام بنفسي . دخلت المطبخ لأول مرة منذ فترة طويلة ، واخترت وصفة بسيطة. أثناء الطهي، شعرت بشيء مختلف ؛ رائحة المكونات ، الألوان ، الحركة . عندما انتهيت ، جلست لأتناول الطعام الذي صنعته بحب لنفسي . لأول مرة منذ وقت طويل ، تذوقت النكهات واستمتعت بها . كانت تلك لحظة صغيرة ، لكنها ملأتني بدفء غير متوقع
في يوم آخر، تلقيت اتصالًا من صديق قديم لم أسمع عنه منذ سنوات . تحدثنا لساعات، واستعدنا ذكريات جميلة . أدركت كم اشتقت لتلك الروابط الحقيقية . قررت أن أكون أكثر تواصلًا مع من يهمونني ، وأن أعيد بناء الجسور التي تركتها تهترئ مع الزمن
في إحدى الأمسيات ، طرق بابي جار يمر بظروف صعبة . جلسنا وتحدثنا ، استمعت إليه وواسيته . شعرت أنني أقدم شيئًا ذا قيمة ، وأن وجودي يمكن أن يكون له أثر إيجابي على الآخرين . تلك اللحظة جعلتني أدرك أن العطاء للآخرين ليس مجرد واجب ، بل هو طريق لملء الفراغ بداخلي. عندما أساعد الآخرين ، أشعر بأنني أترك بصمة ، وأن حياتي تكتسب معنى أكبر
بدأت أشارك في أعمال تطوعية بسيطة في مجتمعي . زيارة دار الأيتام ، المشاركة في حملات تنظيف الحي ، أو حتى مجرد مساعدة شخص يحتاج إلى يد العون . كل مرة كنت أقدم فيها شيئًا من وقتي أو جهدي ، كنت أشعر بالامتلاء والرضا . أدركت أن العطاء يتعدى حدود الذات ، وأنه عندما نمتلئ من العطاء ، نكتشف أجزاء جديدة من أنفسنا
بدأت أستكشف ما تمثله لي الأشياء والأشخاص من حولي . لماذا أحتفظ ببعض الأشياء وأتخلى عن أخرى؟ ماذا تعني لي الأماكن التي أذهب إليها ؟ هذا البحث جعلني أكثر وعيًا بنفسي وبما يحيط بي
حاولت أن أعيش اللحظة ، هنا والآن ، دون أن أقلق بشأن الماضي أو المستقبل . عندما أتناول فنجان القهوة ، أركز على رائحته ، دفئه ، طعمه . عندما أسير في الشارع ، ألاحظ الأشجار ، السماء ، وجوه الناس . هذا الوعي اللحظي جعلني أشعر بالحياة تتدفق داخلي
واجهت مخاوفي التي كنت أهرب منها . كنت أخشى الفشل ، الوحدة ، والرفض . بدلًا من التهرب ، قررت أن أصاحب هذه المخاوف ، أن أفهمها وأتعامل معها . اكتشفت أن الخوف يمكن أن يكون معلمًا، وأن الألم يمكن أن يكون جزءًا من النمو
تغيرت نظرتي لنفسي وللحياة . لم أعد أرى الفراغ ، بل المساحة التي يمكنني أن أملأها بتجارب ومعانٍ جديدة . أدركت أن العطاء للآخرين يترك بصمة لا تمحى في قلوبهم وفي قلبي أيضًا . عندما نمتلئ من العطاء ، نكتشف أن السعادة الحقيقية تكمن في أن نكون جزءًا من تغيير إيجابي في حياة الآخرين
اليوم، لا أقول إنني وجدت كل الإجابات ، لكنني وجدت الطريق . طريق مليء بالتجارب والألوان والمشاعر والعطاء . أدركت أن الحياة ليست لوحة تامة ، بل هي لوحة نرسمها نحن ، بضربات فرشاة صغيرة من الحب والعطاء كل يوم
إذا كنت تشعر بأنك تائه ، أقول لك : اسمح لنفسك بأن تتوقف ، أن تنظر حولك ، أن تقدم يد العون لمن يحتاج . قد تجد المعنى في مكان لم تكن تتوقعه ، في ابتسامة شخص ساعدته ، أو في دعوة صادقة من قلب ممتن . الحياة ليست عن الوصول إلى النهاية ، بل عن الرحلة نفسها ، وعن البصمات التي نتركها في قلوب الآخرين