ما بين الحلم واليقظة
"غفوة في حضن الألم"
هي... تفتح عينيها بصعوبة ، تشعر برأسها ثقيلًا كحجر، وحنجرتها تحترق كأنها تشتعل ، وأنفها مسدود يمنعها من التنفس بحرية . لم تنعم بنوم طوال الليل ، فقد كان الأرق يلازمها بلا رحمة
تمد يدها الواهنة لتوقظ زوجها ، تخبره بصوت مبحوح أنها مريضة . يرد بحنان كنسيم عليل : "سلامات، إن شاء الله يزول الألم بنهاية اليوم... استريحي ولا تُرهقي نفسك". تبتسم رغم ألمها ، تمد يدها كغريق يبحث عن طوق نجاة ، تلتقط بضعة أقراص وتبتلعها بمشقة مع رشفة ماء ، ثم تعود لتستسلم للفراش ، عسى أن يأتي الصباح برفقة الشفاء . تلتفت إليه برجاء هامس ، تطلب منه ألا يغيب طويلاً ، فهي تحتاجه بجوارها
يغلبها النعاس ، كمن يسبح في بحرٍ من ضباب ، حتى تستيقظ فجأة على صوت يأتي من الخارج . تتساءل: أهو زوجي عاد مبكرًا؟ تراه يدخل الغرفة ، يقترب بخطوات خفيفة كمن يخشى أن يوقظ وردة نائمة . في يده إناء عميق لا تتبينه بوضوح، يجلس إلى جوارها على حافة السرير. يرفع خصلات شعرها كمن يمسح الغبار عن لوحة ثمينة، ثم يغمس منشفة صغيرة في ماءٍ بارد ممزوج بعبق ماء الورد ومنقوع النعناع
يمرر المنشفة على وجهها ، وكأن لمسات يده الحانية تمحو علامات المرض كما تمحو الشمس بقايا الضباب . وجهها يكتسب لون الحياة، كزهرة تتفتح بعد مطر. ينظر إليها نظرة غارقة بالحنان ، فترفع إليه عينين ممتلئتين بالامتنان. يناولها كوبًا من مشروب ساخن، يقول بفخر: "صنعته خصيصًا لكِ"، ويكرر الدعاء لها بالشفاء . ترتشف الشراب ببطء ، تغمض عينيها وكأنها تتذوق الدفء والراحة
ثم فجأة، تسمع حركة إلى جوارها، وصوت زوجها يأتي من الفراش بجانبها: "أعطيني كوب ماء من فضلك". تلتفت إليه بدهشة ، فتجده مستلقيًا بجوارها ، يطلب الماء بعينين نصف مغمضتين
تحدق في السقف لوهلة، تدرك أن كل ما عاشته لم يكن سوى تخاريف حمى ، كحكاية خيالية زارتها في غفوتها ، ثم تلاشت كأنها لم تكن
لماذا يأتي الحلم بما نحتاجه، بينما يتركنا الواقع في انتظار؟