عماد… حين يرحل البيت
عماد… حين يرحل البيت
كان عماد في سنته الأخيرة من الجامعة، يعيش مع أمّه.
لم تكن أمّه بالنسبة إليه مجرّد أمّ. كانت البيت حين يكون البيت بيتًا، والدفء حين يبرد كل شيء، والصوت الذي يردّ عنه قسوة الأيام، والوجه الذي يطمئنه إذا اضطرب، واليد التي تسنده إذا مال به التعب.
كانت بينه وبينها علاقة لا تشبه العلاقة التقليدية بين أمّ وابنها فقط، بل شيء أعمق: صداقة، وألفة، ومساندة، وأحاديث طويلة، ونظرات تفهم، وصمت يفهم أيضًا. كان يجد عندها ما لا يجده عند أحد: القبول، والرحمة، والإنصات، والشعور أنه مرئيّ… ومحبوب.
أما أبوه، فكان بعيدًا أكثر مما هو غائب. يسافر كثيرًا، وحتى حين يعود لا يعود حقًا. قسوة باردة، وانعزال، واحتقار لكل ما يمتّ إلى المشاعر بصلة. كان يرى اللين ضعفًا، والتعبير وهنًا، والاحتياج نقصًا في الرجولة. ينتقده، ويكسره بكلمات قليلة، ويغمزه دائمًا بأنه تربية نساء، وأنه لا يكفي، ولا يشتد، ولا يصلح لأن يكون رجلًا كما يريد.
صباح بدا عاديًا… ثم انكسر كل شيء
في صباحٍ بدا عاديًا جدًا، استيقظ عماد، ولم يجد أمّه في المطبخ.
توقف لحظة. كان هذا وحده كافيًا لأن يوقظ فيه شيئًا غامضًا. المطبخ الذي اعتاده حيًّا بها كان ساكنًا على غير عادته. لا حركة أكواب، لا صوت خطوات، لا أثر لصباحها في المكان.
ذهب إلى غرفتها. وجدها نائمة. بدا له نومها هادئًا، عميقًا، مطمئنًا. تردّد عند الباب. لم يشأ أن يزعجها. قال في نفسه إنها متعبة، وخرج في هدوء.
مضى يومه في الجامعة، وحاول أن يذيب هذا القلق الصغير في المحاضرات، وفي كلام الأصدقاء، وفي زحمة النهار. لكنه حين عاد بعد العصر، كان البيت كما تركه. بل أكثر من ذلك: كان البيت كأنه لم يعد بيتًا أصلًا.
لا رائحة طعام.
لا إذاعة قرآن تتسلل من زاوية بعيدة.
لا صوت.
لا حركة.
لا حياة.
وقف في الصالة كأن شيئًا باردًا صعد من الأرض إلى صدره، ثم اندفع إلى غرفتها.
كانت هناك. في نفس مكانها. مستغرقة في سكون كامل. هادئة إلى حدٍّ مخيف. ساكنة إلى حدٍّ لا يشبه النوم. وعلى شفتيها شيء يشبه ابتسامة خفيفة… ابتسامة بعيدة، لا تخص هذا العالم.
اقترب منها. ناداها. لم تجب.
لمس كتفها. حرّكها برفق. ثم بعجلة. ثم بقوة. ثم بهلع.
أمّاه…
أمّي…
قومي…
ردّي عليّ…
أنا هنا…
لكنها لم تعد هنا.
في لحظة واحدة انكسر شيء لا يُرى، وسقط داخله شيء لا يمكن جمعه مرة أخرى كما كان. راح يهزّها، ويوقظها، ويستنجد بها من موتها، ويصرخ كطفل تُرك في عراء العالم فجأة:
لا تتركيني…
ليس لي غيرك في هذه الحياة…
لا تتركيني وحدي…
حين لا تغيب الأم تمامًا
ومنذ تلك اللحظة، لم تغب تمامًا… ولم تبقَ تمامًا.
ظل عماد يسمعها. كأن صوتها يهمس قريبًا من أذنه في بعض الليالي. وكأنها تمرّ جواره خفيفة، دون أن يراها. أحيانًا كان يشعر أن المذياع قد اشتغل وحده على إذاعة القرآن، فيقف مشدوهًا، موقنًا للحظة أنها هنا، ثم يختفي الصوت، فيبقى الفراغ أكثر قسوة من قبل.
كان يشمّ رائحتها في أركان البيت. في الممر. على طرف الستارة. في المطبخ الذي لم يعد يعرف كيف يدخله. في وسادتها. في الهواء نفسه.
كانت تزوره في أحلامه أحيانًا، وتغيب عنه أحيانًا أخرى، فيستيقظ مفزوعًا من غيابها الثاني، كأن الفقد لا يكتفي بأن يحدث مرة واحدة.
ثم بدأ الذنب ينهش قلبه بلا رحمة.
لماذا خرجت؟
لماذا ظننتها نائمة فقط؟
لماذا لم أجلس معها أكثر؟
لماذا أجّلت السفر معها؟
كانت تريد أن تسافر معي… وكانت تنتظر. وأنا قلت: بعد التخرج. بعد قليل. بعد أن أنتهي. بعد أن تسمح الأيام.
لكن الأيام لم تسمح.
لماذا لم أقل لها بما يكفي: أحبك؟
لماذا افترضت أنها باقية؟
لماذا نعامل من نحب كأن الرحيل لا يجيء إليهم؟
كان يشعر أنه لم يفقد أمّه فقط، بل فقد جزءًا من نفسه كان لا يعيش إلا بها. فقد المعنى الذي يجعل اليوم محتملًا. فقد طعم البيت. فقد مذاق الطعام. فقد الرغبة في الاستيقاظ. فقد ذلك الإحساس الخفي بأن هناك من يدعو له، ومن ينتظره، ومن يفرح لعودته.
الحياة تمضي… رغم الخراب
ومع ذلك، كانت الحياة، بقسوتها المعتادة، تمضي. والامتحانات النهائية تقترب. والناس يتحدثون عن المستقبل، كأن المستقبل شيء يمكن تخيّله بعد هذا الخراب.
كان يشتاق إليها في كل تفصيلة. في خوفه من الامتحانات، في حاجته إلى دعائها، في رغبته أن يسمع منها:
"سيكون الأمر بخير."
وكانت لا تأتي. حتى في المنام، صارت تغيب أحيانًا. وكأن الغياب يتعلّم كيف يصبح أشدّ.
وفي يوم، دخل المطبخ محاولًا أن يطهو شيئًا. لا لأنه جائع حقًا، بل لأنه أراد أن يصل إليها من خلال الرائحة. أن يستعيدها من بخار الطعام، من التتبيلة، من النار الهادئة، من الطمأنينة القديمة التي كانت تملأ المكان وهي تتحرك فيه.
لكن الطعام احترق.
امتلأ المكان برائحة الفشل بدلًا من رائحتها. وقف عاجزًا، غاضبًا، مقهورًا من نفسه، ثم انفجر باكيًا، كمن خسرها مرة أخرى، بسبب قدرته العاجزة على تقليد حضورها.
نام من شدة الإنهاك. ثم استيقظ على رنين الهاتف.
خبر وفاة والده.
موت الأب… وصمت المشاعر
وحين سمع الخبر، لم يشعر بشيء.
لا صدمة.
لا بكاء.
لا غضب.
لا راحة واضحة.
لا حزن واضح.
لا شيء.
كأن مشاعره، بعد أن استُنزفت كلها في الفقد الأول، رحلت هي الأخرى، وتركت جسده يتحرك وحده.
استقبل العزاء كإنسان آلي. وجه جامد. عينان خاليتان. جسد حاضر، وروح بعيدة. لا دموع. لا انكسار جديد. لا حتى رغبة في السؤال.
فقط فراغ.
فراغ ثقيل، بارد، بلا ملامح.
ومرت الأيام بطيئة، باهتة، كأن الزمن نفسه فقد معناه. إلى أن جاء يوم التخرج.
يوم التخرج… حين عاد الصوت
استيقظ عماد صباحه على صوت أمّه.
واضحًا…
دافئًا…
قريبًا…
"ده أجمل يوم في حياتي."
فتح عينيه وقلبه يرتجف. وشعر — أو خُيّل إليه — أنها تحتضنه. لا ذكرى عابرة، بل حضنًا حقيقيًا، له ثقل، وله دفء، وله أثر ما زال على جسده.
قام مذعورًا ومشتاقًا في آن. وركض إلى غرفتها، كأن جزءًا منه صدّق أنها عادت، أو كأن الحنين أقوى من العقل.
ولم تكن هناك. طبعًا لم تكن هناك.
لكنه وقف في الغرفة طويلًا، تخيلها، وتمنّى لو أنها كانت معه فعلًا. في هذا اليوم بالذات. في اليوم الذي انتظرته من أجله. في اليوم الذي كانت ستحمله في عينيها فخرًا، ودعاءً، وفرحًا نقيًا.
وهنا، تسللت إليه أمنية أربكته.
بعد أن مات أبوه — ذلك الذي كان ينغّص صفو حياتهما، ويثقل البيت بظله، ويُفسد كثيرًا من المعنى بينهما — تمنّى لو أنها كانت حية الآن. لو بقيا معًا بعد رحيله. لو سافرا سويًا. لو عوّضها. لو أسعدها. لو عاشا حياة أهدأ، أخف، أرحم… بدونه.
وما إن دخلت الأمنية قلبه، حتى دخل الذنب وراءها.
ارتبك.
تراجع.
خاف من نفسه.
كيف أتمنى حياةً أجمل بعد موت أبي؟
هل في داخلي كل هذا الظلم؟
هل أنا شرير؟
هل أنا ابنٌ جافّ القلب فرح بموت أبيه؟
أم أنني فقط ابنٌ موجوع، كان يتمنى النجاة لمن يحب؟
بداية عودة الشعور
وللمرة الأولى منذ زمن، شعر أن شيئًا ما بدأ يعود إليه.
ليس السلام.
ولا الوضوح.
ولا الراحة.
بل الشعور.
شعور مرتبك، متناقض، مؤلم، لكنه حيّ.
فأخذ يسأل نفسه، كما لو أنه يستيقظ من موته الداخلي ببطء:
بماذا أشعر؟
ولماذا؟
ومن أكون الآن، بعد أن رحل الاثنان؟
من أنا بلا أمّي؟
من أنا بعد أبي؟
من أنا حين يختلط الحب بالذنب، والراحة بالخوف، والفقد بالتمنّي؟
هل أنا عاقّ لأنني لم أحزن عليه كما ينبغي؟
أم أنا ابنٌ ظلّ وفيًّا لأمّه حتى بعد موتها، يتمنى لها راحةً لم تنلها في حياتها؟
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، متعبة، كأن قلبه لا يزال يحاول أن يفهم نفسه، وكأن الحزن لا ينتهي فعلًا… بل يغيّر شكله فقط.














.png)






